الصفحة 160 من 194

هذا الرأي كانوا يفرون منه، ويود أحدهم لو يلقى الله سبحانه وهو لم يفت مستفتٍ في مسألة واحدة، لكنه إذا لم يجد إلا أن يفتي فهو يقدم على الفتيا، وقد علت وجهه الرُّحضاء، وارتجف قلبه من خوف ما هو مقدم عليه، كأنما نار تتلظى يراها بناظريه، يكاد أنْ يكب فيها على وجهه، لأنه إنما يفتي موقعًا بفتياه عن الله عز وجل، فأي أرض تقله، وأي سماءٍ تظله، وأي مدخلٍ يأوي إليه، إن هو قال على الله مالم يرد، أو قال على نبيه عليه

السلام ما لم يأذن به؟؟!!

من هنا ظلَّ الرأْي متهمًا عندهم، لا يفصح عنه أحدهم إلا محذرًا غيره، خائِفًا منه على نفسه، وهذا ابن سيرين رحمه الله، كان إذا سئِل عن شيءٍ قال:"ليس عندي فيه إلا رأي أتهمه، فيقال له: قل فيه على ذلك برأيك، فيقول: لو أعلم أنَّ رأيي يثبت لقلت فيه، ولكني أخاف أن أرى اليوم رأيًا، وأرى غدًا غيره، فأحتاج أن أتبع الناس في دورهم".

وكذلك قال سالم بن عبدالله بن عمر لرجل سأله عن شيءٍ:"لم أسمع في هذا بشيءٍ، فقال له الرجل: إني أرضى برأيك، فقال له سالم: أُخبرك برأي ثم تذهب، فأرى بعدك رأيًا آخر غيره فلا أجدك".

ومن قبل هؤلاء قال الصحابة مثل قولهم، فكان قول المتأخرين موافقًا قول المتقدمين مطابقًا له، حتى لكأنهم ينطقون بلسان واحد، ويصدرون عن نظر واحد، ولا يخالف أحدهم الآخر إلا في اللفظ وحدهُ، وهذه منَّة امتن الله بها على هؤلاء النفر، الذين أُوتوا العلم بإخلاصهم، وصدق توجههم إلى ربهم، من ذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا سئل عن شيءٍ لم يبلغه فيه شيءٌ قال: إن شئْتم أخبرتكم بالظن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت