الصفحة 159 من 194

ومع أنَّ الجلَّة من أهل العلم في كل عصر لم يجاوزوا باجتهادهم هذا الفهم، فإنهم جميعًا أو عامتهم كانوا يرون في الرأي شيئًا من الإثم، أو يكاد، يفرون منه إلى البحث عن النص الصريح في الدِّلالة أو غير الصريح، يأخذون منه الحكم في المسألة التي تعرض، فإذا عجزوا فاؤوا إلى الرأي الاجتهادي في حرج بالغ، وقد توافرت النصوص عنهم، التي تفيد رغبتهم الأكيدة عن الرأي وذمِّه، إلى النص وحده ومدحه، مع إيصائِهم الناس أن يكونوا من الرأْي على حذر، وأن يطَّرحوا الرأيَ بعيدًا حين يجدون الدليل من كتاب الله، وسُنَّة نبيه ×، يقول إمام دار الهجرة مالك بن أنس:"إنما أنا بشر أُخطئُ وأُصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسُّنَّة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسُّنَّة فاتركوه". وقد اتفقوا جميعًا على هذه الكلمة، على اختلاف في ألفاظها وحروفها. فقالها الإمام الشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وغيرهم، وكل واحد كان يقولها وهو يعلم أنّ علمًا كثيرًا من رسول الله × لم يصله، وإن كان قد بذل جهدًا في تحصيله وتعليمه الناس، ولم يدَّخر وُسْعًا أن يصيب منه قدرًا ينيله تقوى الله، ويقفه تابعًا خلف نبيه صلوات الله وسلامه عليه.

وبدهي أن الرأي المذموم عند هذه الجلَّة الباهرة، ليس الرأي الذي يتعارض مع النص في صراحته أو دلالته القريبة أو البعيدة، فهذا شيءٌ كان عندهم أدنى إلى الكفر منه إلى الإيمان، لكنه الرأي الذي لا يجد باذله عنه مندوحة لتقرير مسألة، أو إظهار حكم الله في أمر يؤديه إليه اجتهاده، الذي يتقرب به إلى الله عبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت