الصفحة 164 من 194

وفي الأغلب أن اجتهاد المتأخرين لا يتجاوز دائِرة اجتهاد المتقدمين في المسائل التي اجتهدوا فيها، ولا يعدوا اجتهادهم ترجيح رأي على رأي، إلا في قليل من المسائِل التي اختلفت أيضًا فيها أنظار المتقدمين للسببين اللذين ذكرنا آنفًا - غير أن اختلافهم لم ينته بأحدهم إلى الوقوف على الحكم الصحيح في هذه المسائِل، وهنا يكون الدور الكبير للمتأخرين من العلماء، القادرين على النظر الاجتهادي، ليقدموا جديدًا من العلم للأمة غفل عنه المتقدمون، أو أخطؤوا فيه، أو لم يقطعوا فيه برأي لخفاء الدليل أو ذهابه، ولا يقال هنا: لم يترك المتقدمون للمتأخرين شيئًا، بل يقال: كم ترك المتقدمون للمتأخرين، وفي عالمنا الإسلامي اليوم وفرةٌ من العلماء القادرين على النظر الاجتهادي، ولكن منهم من يحجم عن الاجتهاد وهم الأكثرون، ومنهم من يقحم على الاجتهاد دائِرته وهم الأقلون، فيخرج منها بين الفينة والفينة قبضة من العلم، فينثرها بالقلم واللسان بين المسلمين في بلادهم وفي غير بلادهم.

وقد مني هؤلاء الأقلون بجهلةٍ ممن يُلحقون أنفسهم بالعلم إلحاقًا، وسربلوا أجسامهم بسرابيل تقيهم الأقل منهم جهلًا أن يُفْتَضحوا في أعينهم، وغشيتهم غواشي الحسد الأسود، فانطلقوا في خفوت أحيانًا، وفي صراخ أحيانًا أخرى يمكرون بأولئِك الأقلين، ويكيدون لهم كيدًا لا يفعله أعدى الأعداء، وأشدهم حربًا على الحق، ويصورونهم تارة بالخروج على جماعة المسلمين، وتارة بكراهية الأئِمة الأعلام، وتارة بالطعن على الأولياء، وتجريح الأتقياء بنصوص الكتاب والسُّنَّة، وتارة بالتآمر على الأمن، وتارة بإثارة الفتن، وتارة وتارة وتارة، فيلقى أولئك الأقلون من

هؤلاء من الشر والبَهْت، ما لا يقوى على احتماله إلا أولو العزم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت