الصفحة 165 من 194

ومما يزيد من إلزام هؤلاء الأقلين بالاجتهاد الأمور الحادثة التي لم تكن في عهود مضت، وهي كثرة، ولا يمكن القول بالاكتفاء بوقوعها، وترك الناس وشأنهم فيها، من غير أن يفصل بين ما هو محظور منها وبين ما هو مباح، فإن إظهار حكم الله في المسائل الحادثة واجب لا محيد عنه، وتخلي القادر عنه فيه إثم كبير، لأن الله سبحانه انتدب لدينه طائِفة من العلماء أوجب عليهم ذلك، ولا يستقيم أمر الإسلام في حياة الناس إلا به، ولا يعظم شأن الإسلام في أعين الناس إلا به، ولا يُقْبِلُ غيرُ المسلمين على الإسلام إلا به، فإن أحجم العلماء القادرون عن إظهار حكم الله في هذه المسائِل، فإنهم بإحجامهم هذا قد ألقوا الناس في ظلمات الحيرة والاضطراب.

وإذا قُدِّر وجودُ فقهاء مذاهبَ في زماننا، ليس فيهم قدرة سوى استيعاب نصوص المذاهب وحكايتها كما هي لمن يستفتونهم، والقطع في أنفسهم أنها هي الحق ولا حقَّ سواها، أو أن الحق متعددٌ بتعدد المذاهب التي ينسبون أنفسهم إليها، ثم نراهم يحرصون على إلزام الناس بها بما يكون أشدَّ من حرصهم على استقصاء أدلة المذهب الذي يفتون به من يستفتونهم، ويُعلَنُ في الناس أنهم مفتون، فهؤلاء ما كان ينبغي أن يرضوا أن يتبوَّءوا مناصب المفتين، لأنهم يعلمون أن الإفتاء هو الاجتهاد، والمفتي مجتهد، وهم قد قعدوا عن بلوغ مرتبة الاجتهاد، إما من عجز وإما من خوف، وكلاهما حائل لهم عن الوصول إلى منصب الإفتاء، فأولى بمن يعرف من نفسه عجزًا عن الاجتهاد، أو خوفًا من ولوج بابه، وهو يتبوأُ

منصب الإفتاء أن يعتزله لئلا يحمل وزره ويتخوض في إثمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت