ولا يجوز شرعًا إذا وجد من يقدر على الفتيا بالنظر في ما تيسر له من الأدلة، والمعرفة بمذاهب المجتهدين أن يُصَدَّ عن الفتيا، أو يؤخذ بحجْزِه عنها، أما من كان جاهلًا بها، ينكشف جهله من أول فُتيا يُفتي بها، ولم يعرف عنه إلا التسليم للمذهب الذي تفقه فيه، من غير أن يكون له جهد إلا نقل مسائِله لمن يستفتونه، فهذا هو الذي يُمنع من الفتيا، وحتى هذا لا يجرؤ على منعه من كان مثلَه، أو من كان دونه، أو من كان أعلى منزلة منه في معرفة المذهب والتسليم له.
وقد أخبر النبي × عن زمان يأتي على الناس يتصرف فيه العلماء ويضعف فيه العلم، وينزع الناس فيه إلى الجهل، فقال:"إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعًا ولكن يقبضه بموت أهله، حتى إذا مات العلماء اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فاستفتوهم فأفتوهم فضلوا وأضلوا". أفيكون من حق هؤلاء الذين أخبر النبي × عنهم أن يقولوا في الذين ويجولوا كما يشتهون، ثم لا يكون من حق من أكرم الله بعلم الكتاب والسُّنَّة والإحاطة بمذاهب أئِمة الإسلام ومجتهديه أن يفتي، فإذا أفتى انتضى أُولئِك أقلامهم وأحقادهم وحسدهم ثم أخذوا يأتمرون عليه، ويظهرون في أعين من ألقوا إليهم بمقاليد عقولهم الجاهلة أنه داعية فرقة، ومثير فتنة، ومدبر مكيدة، لا تحكمهم تقوى، ولا يردهم دين، ولا يَرْدَعُهم خوف من الله ولا اليوم الآخر.
وأضع بين يدي القارئ الكريم ما كنت كتبته في كتابي"الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد"تحت عنوان: وأخيرًا المفتي.