والخراص أدنى ما يكون شبهًا بالجعل الذي يدفع النتن بأنفه، فإذا جاوز دائِرة النتن، وخرج بما يدفعه إلى جو النظافة والطهر سقط صريعًا، فيخلفه على النتن غيره، وهكذا كلما سقط واحد من الجعلان لخروجه من النتن يخلفه سواه، والخراصون يشبهون الجعلان في ذلك، فإنهم لا يعيشون إلا في النتن، ولا يجدون متعتهم إلا فيه، ولا تملأُ قلوبهم السعادة إلا في الروائِح الكريهة، ولا تغمرهم اللذة إلا في رطوبته وعفونته، لذلك لا تراهم إلا متسللين وسط الفتنة يبغنوها، وفي لجة الخبائِث يرتعون فيها، وفي كبة الشر يعلونها، يقطعون علائِق الحب، ويخرجون الأبرياء إلى ساحات الاتهام، ويفتشون عن القبائِح والسوْءات، ينشرونها على الناس بلا حياء ولا ورع، ويرمون المحصنات العفيفات في غير خوف من عذاب ولا رجاءٍ في رحمة، ويقذفون الورعين الأتقياءَ بالغيب من مكان بعيدن ويكيلون للشرفاء الأقوياء في دينهم التهم جزافًا، ولا يرون في الأطهار العظماء إلا ريبة تتبعها ريبة، ويوزعون الألقاب والأوصاف على الناس، فهذا عندهم خائِن عميل، وهذا منافق حاذق، وهذا خبيث ماكر، وهذا كذاب أشر، وهذا يلعب على سبعين حبلًا، وهذا لا تغلق السفارات أبوابها في وجهه، بل وتغرقه بالمال إغراقًا، وهذا يختل المغفلين ويستدرجهم إلى مآربه، وهذا يعرف من أين تؤكل الكتف، وهذا يملأُ جيوبه من جهات مريبة، وهذا يمده أهل الضلال بالفكر الباطل مدًّا، إلى غير ذلك من الألقاب والأوصاف التي لا تليق إلا بهم، ولا تصلح إلا لهم، وهم يظنون أنهم من كل تلك الأوصاف والألقاب أبرياء، أو قل: هكذا يخيل إليهم شياطينهم الذي يوحون إليهم بها، أفلا يكون حقًّا علينا أن نلعن هؤلاء بلعنة الله، فنقول: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} .