والخرص لا يختص ضره بالخارص وحده، فإنه لا يكاد يلم بأحد حتى ينتقل إلى آخر، ومنه إلى غيره وهكذا، حتى يشيع في الناس، فيأْكل ما في قلوبهم من خير، ويحصد ما زرعوا من أسبابه، ولا يكون من ثم فيهم فضل لشيءٍ مثلما للظن السيِّءِ في نهاية الأمر، إذ لا يحيق الظن السيِّءُ إلا بأهله.
ودائِرة الخرص واسعة جدًّا لا يكاد العقل يحيط علمًا بقطرها، وعلى كل جزءٍ منها يقف خراص متخصص في الجزء الذي يقف عليه، وكلما أمعن الخرَّاص في الوقوف على ذلك الجزء، تراه يزداد بصرًا ومعرفة بالخرص، حتى يصير -أو يكاد- خارصًا بالفطرة، لا يمكنه النزوع مما هو فيه، لأنه شيءٌ فطر عليه، وليس من شيءٍ أقوى استمساكًا ورسوخًا من الفطرة، فلا يكون له من شغل إلا أن يصرف عقول الناس إليه، وبخاصة من ارتابت قلوبهم، ونأى عن النور إلى الظلمة بصرهم، ولا يزال الخرص بالخارص أو الخراص - على اختلاف درجاتهم - حتى تصرعه على وجهه غمرته في دنياه، وتبوِّئُه نار جهنم في أُخراه.