والعلاقة بين اللعن والقتل وثيقة جدًّا، فاللعن معناه الطرد والإبعادُ من رحمة الله تعالى، والقتل: إزالة الروح عن الجسد، ومن طُرِدَ من رحمة الله وأُبْعِدَ فله بالمقتول شبه محاكاة، إذ ليس له حظ مما كان يصيبه من تلك الرحمة لو لم يكن منها مطرودًا، والقتل يفضي بالمقتول إلى زوال الحياة عنه التي بها الإحساس والإمساس، فلا يصل بينه ويين ما حوله من الأشياء واصلةٌ.
ولم يذكر الخرص في القرآن إلا مقرونًا بالظن الصريح، ففي سورة الأنعام: آية 148 {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} ، وآية 116، {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} ، وفي سورة يونس: آية 66 {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَاءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} .
والظنُّ في هذه الآيات هو تأويل أو كالتأويل لكلمة الخرص، بل إنه هو اللفظ المرادف للفظ الخرص في معناه كما سبق وبينا، فكأنما هو فيها من بابِ تأكيد اللفظ باللفظ.
وإذ قد تضافرت نصوص القرآن والسُّنَّة كليهما على ذم الظن - الذي هو من معاني الخرص ومرادفاته - فليس للإنسان أن يقحم نفسه في الخرص إقحامًا، وهو قادر على أن ينأى عنه، وإذا أرخى الإنسان لنفسه العنان في مضمار الخَرَصِ جمح به فأهلكه، وليس العاقل بذاك.
ويحسن بالإنسان أن يُعَوِّد نفسه على أن يحسن الظن بالناس، إذ ليس في حسن الظن ما يسوءُ أو يسيءُ -وإن كان يلحق بصاحبه شيئًا من الأذى- أما سوءُ الظن فإنه وائِد للمودة، مثير للخصومة، باعث للفتنة، مهيج للعداوة، مفرق للجماعة، ممزق للألفة، ولا يقي من ذلك كله ويدفعه إلا ضده وهو الظن الحسن.