ولا شك أن الإفتاء أصعب منزلة من القضاء، لأن المفتي من شأنه إصدار ما يرد عليه من ساعته بما حضره من القول، والقاضي شأنه الأناة والتثبت، ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لم يتهيأ لصاحب البديهة.
الخرَّاصُون
الخَرَص هو: الحزر، والكذب، وكل قول بالظن، قاله صاحب"القاموس"، والخارص: اسم فاعل من الخَرَص، والخرَّاص: صيغة مبالغة تدل على كثرة الخرص أو الكذب، أو القول بالظنِّ، إذ القاعدة في اللغة: أنَّ زيادة المبنى تدل على زيادةٍ في المعنى.
والقول القائِم على الظن والحرز هو كذب ومين، ومنه قوله ×:"إياكم والظنَّ، فإن الظنَّ أكذب الحديث"، قال في"النهاية": الخرص هو تقدير بظن.
وإذا ظلَّ الخرص حبيس النفس لا يتجاوزها إلى قول أو فعل، فهو لا إثمَ فيه، أما إذا ظهر له أثرٌ، فأشفى بصاحبه على قول فقاله، أو على فعلٍ ففعله، فيكون حينئذٍ قد اجترأ على إثمٍ فاجترح ما أداه إليه من أسبابه التي تبديه، فهو خراص، والخراص ملعون، قال رسول الله ×:"وإن همَّ بسيِّئة فلم يعملها كتبها الله تعالى له عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئَةً واحدة".
ومعنى قُتِلَ في قوله تعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} ، لُعِنَ، ويراد به الدعاء عليهم، ولم يأتِ اللعنُ في القرآن بهذا اللفظ إلا في أربعة مواضع:
•…الأول: في سورة الذاريات، وهو هذه الآية.
•…والثاني: في سورة المدثر، وهو: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} .
•…والثالث: في سورة عبس، وهو: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} .
•…والرابع: في سورة البروج، وهو قوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} .