أما أن يحكي غير المجتهد فتواه عن مجتهد حي ويفتي الناس، فقد قال فيه الآمدي رحمه الله:"ذهب أبو الحسن البصري وجماعة من الأُصوليين إلى المنع من ذلك، لأنه إنما يُسأل عما عنده، لا عما عند غيره، ولأنه لو جازت الفتوى بطريق الحكاية عن مذهب الغير، لجاز ذلك للعامي، وهو محال مخالف للإجماع"، وقال ابن القيم رحمه الله:"ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه وتعالى أن يفتي السائِل بمذهبه الذي يعتقده وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلًا، فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه، فيكون خائِنًا لله ورسوله وغاشًّا له، والله لا يهدي كيد الخائِنين، وحرم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام وأهله، والدين النصحية، والغش مضاد للدين كمضادة الكذب للصدق و الباطل للحق"، وقد تقدم كلام لابن القيم أيضًا نصه:"ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ولا يلقيه للمستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه"، وقال أيضًا:"لا يجوز للمقلد أن يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى أنه قول من قلده دينه، هذا إجماع السلف كلهم، وصرح الإمام أحمد والشافعي رضي الله عنهما بذلك".
هذه النقول تكفي في تعريف المفتين واجبهم وما ينبغي عليهم أن
يفعلوه من بذل الجهد في استيعاب العلم ومعرفة خوافيه وظواهره، وصرف الهمة إلى علوم الكتاب والسُّنَّة، والوقوف بالمسائِل عند حدودها المرسومة التي عرفها السلف الصالح، فوقفوا عندها، وليعلم أن الإفتاء جليل الشأن خطير الأثر، فإن فتوى المفتي شريعة عامة كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى، وقد أخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ×:"من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه".