وكانوا يرون إثم الفتيا يلحق من يفتي بغير دليل، لأنه بفتياه هذه حمل من قبل فتياه أن يعمل بها من غير تثبت، يقول أبو هريرة رضي الله عنه:"من أفتي فتيا من غير تثبت فإنما إثمه على من أفتاه".
كما كانوا يكرهون السؤال عن أمر لم يقع، لما فيه من التكلف، فعن مسروق قال:"كنت أمشي مع أُبيِّ بن كعب، فقال فتى: ما تقول يا عماه في كذا وكذا؟ قال: يا ابن أخي: أكان هذا؟ قال: لا. قال: فاعفنا حتى يكون". وعن الأعمش قال:"كان إبراهيم إذا سئِل عن شيء لم يجب فيه إلا جواب الذي سئِل عنه".
وكانوا يمسكون عن الفتيا بما لا يعلمون خشية أن يقعوا في هلاك بفتياهم، ويرون النجاة في قول لا أدري. فعن الشعبي قال:"لا أدري نصف العلم".
انظر إلى ما يقوله أعلام العلماء، ثم انظر ما يكون من مفتي هذا الزمان، واعتمادهم في فتاواهم على ما استودعه المؤلفون بطون كتبهم، وهم يظنون أنهم بذلك يحسنون صنعًا، أو أن العلم لان لعقولهم، ولو علم هؤلاء المفتون لِمَ صنف الفقهاء كتبهم لراجعوا أنفسهم كثيرًا قبل أن يعمدوا إلى إحدى فتاواهم فيفتوا الناس بها، والفقهاء الذين ألفوا ثم أفضوا إلى ربهم رحمهم الله، ما ألفوا إلا لأمرين:
•…أولًا: ليفيد الناس من بعدهم طرق الاجتهاد، وذلك لحسن تصرفهم في الحوادث، وبناء بعضها على بعض.
•…وثانيًا: لمعرفة المتفق في المسائِل والمختلف فيها، وهذا اللون العلمي لا نجده إلا عند فئة قليلة من الفقهاء، وهم الطبقة الممتازة كالنووي، وابن قدامة، وابن حزم رحمهم الله، أما الغالبية العظمى من الفقهاء فهم ناقلون جمَّاعون.