الصفحة 168 من 194

فتياهم بمسائِل المذاهب التي تفقهوا بها، من غير نظر في الدليل، فإن ذلك منهم لا يعتبر إفتاء، وإنما هو حكاية لرأي أو بيان لاجتهاد رجل آخر حفظ عنه مسائِله التي أفتى بها، وهو إذ يفعل ذلك إنما يفتي من غير دليل، وهذا لا يجوز من المفتي أبدًا، يقول ابن القيم رحمه الله:"ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ولا يلقيه للمستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمل فتاوى النبي × الذي قوله حجة بنفسه، رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته، فإذا عريت الفتوى من الدليل فلا يجوز للمفتي أن يفتي مقلدًا إمامه في المذهب من غير نظر في الدليل، بل يكتفي بمعرفة حكم هذه المسألة التي تعرض له عند إمام مذهبه من غير أن يعرف دليلها".

وقال الرازي في"المحصول":"اختلفوا في غير المجتهد، هل يجوز له الفتوى بما يحكيه عن المفتين، فيقول: لا يخلو إما أن يحكي عن ميت أو عن حي، فإن حكى عن ميت لم يجز له الأخذ بقوله لأنه لا قول للميت، لأن الإجماع لا ينعقد على خلافه حيًّا، وينعقد على موته، وهذا يدل على أنه لم يبق له قول بعد موته، وقد حكى الغزالي في المنخول إجماع أهل العلم على المنع من تقليد الأموات".

ولذلك كان الصحابة والتابعون يحذرون من الفتيا التي لا تستند إلى دليل من قرآن أو سُنَّة، فهذا عبدالله بن قيس رضي الله عنهما يقول لجابر ابن زيد وقد لقيه في الطواف:"يا أبا الشعثاء، إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن أو سُنَّة، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت". ويقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:"تعلموا العلم قبل أن يُقبض، وقبضه أن"

يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت