وبعد مرور هذه الأعوام، رأيت أن أضمَّ إلى كتابي هذا موضوعاتٍ أخرى، ظهر بعضها من قبل، ولم يظهر البعض الآخر، فأجمعها على صعيد واحدٍ، لما أرى من فائدةٍ فيها تعود على القرَّاءِ إن شاء الله تعالى منها، ولأنها تلتقيها على غايةٍ واحدةٍ، وتأْلفها وَحْدةٌ واحدةٌ، وتسير إلى جانبها في سبيلٍ واحدٍ، ولسوف يظهر هذا للقارئ الكريم، ويعلم علمًا يوثقه إلى الأمر الذي أردت إليه إن شاء الله سبحانه، في غير تكلُّفٍ ولا تحرُّجٍ، حتى يتبيَّن له أنه الحق إن شاء الله، ومنه: كراهيتي للتأْليف والكتابة، فقد كفينا همَّها من قبل، وقافلة الأيام تمشي موقورة بأحمال العلم، التي ألقت بها عقول البررة الصُدُق من علماء الأمة من قرونها المتتابعة العتاق، لا تبغي حولًا عن إسداءِ الخيْر إلى كلِّ من يحرص عليه في أعطافها، بإملاءٍ، أو إنقاصٍ لضرٍّ، أو إبانةٍ لشرٍّ، أو إمضاءٍ لموعود إحسانٍ، أو غير ذلك من خزائن العلم التي لا يملكها مَلِك، ولا يأتي عليها فناءٌ، ولا يُمرضُها سقم، ولا يُضلُّها تيهٌ، ولا يُبْرِمُها عَهْدٌ، ولا يخفيها رعْبٌ.
والعلم يأسِر صاحبه إن أحبَّه، ويزهد فيه إن آنس في غيره من أعراضِ
الدُّنيا ما يصرفه ولو إلى حين عنه، ويوثقه إليه إن وصله به واصلةٌ من معروف، لا تنأى به عمَّا يرغب فيه، ولا تُدنيه مما لا يُرغبُ فيه، وتقفه على حدٍّ وسط بين الاثنين، حتى إذا رأى ما يُرْغَبُ فيه مال إليه، وإن رأى غير ذلك صرف وجهه عنه، فهو أشبه ما يكون بالإنسان صاحب الإرادة، يُقبل ويُدبر، ويبعد ويقرب، ويحب ويكره، وهو ثابت مقيمٌ على الشيء الذي يراد منه، لا ينتقص منه، ولا يزاد عليه إلا إن كان لصاحبه رغبٌ يحرص به عليه، أو غير ذلك فيعرض عنه.