وحسبي من هذا الذي وصفت من حال العلم، أني آنست مما أفضل الله به عليَّ من علمٍ يسيرٍ -وهو عليّ كثير- بعض مسائل أضُمُّها وأجمعها إلى المسائل التي أخرجت بها كتابي هذا أوَّل مرة، فيكون حافلًا بشيءٍ جديد لا أدَّعي أنه لم يعرفْ من قبل -فذا شيءٌ من الضرب في غيب مضى، متقطعًا على مرِّ السنين الخوالي- يعرفه من لم يسبق له أن عرفه، فيكون جديدًا عليه، ويراه من عرفه من قبل، فيزداد به علمًا وتثبتًا بما عرفه، لكنه مع ذلك لا يخلو من جديد فاته، أو يكون قد نسيه فذكره بعد طول نسيان، وغيابٍ عن قلبه، فكأنما هو بهذا أو بذاك شيء طارف وتليدٌ في آن معًا.
ولعلَّ أهمَّ جديد صار إلى هذا الكتاب، ما كنت قد أعلنته في كتابي"إرشاد الساري"من المسائل الأربع، التي أورمت آنافًا، وأهاجت صدورًا، وأعمت أعينًا، وأصمَّت آذانًا، وزحزحت مودَّاتٍ عن مواطنها، وكأنما كانت تتربَّص الدوائر بأمرٍ تحبُّه أو تكرهه - لا أدري- لتنال ممن كان لها يومًا ذكرٌ في أنفسها، وكانت تعلم أن رغائب النفوس طلعةٌ فيها، لا تبلغ مداها إلا بأن تُصيب شيئًا مما تؤَمَّل أن يكون لها. فإن لم يكن لها ذلك، ولم تر إلا العجز أن تصيبه، اكتنفها غمٌّ ثقيل أسود، أقعدها عن السعي من وراء ما تؤمِّل، عاجت عن الأمر الحق، وتَقَنَّعت بالباطل في سرٍّ وعلانية، وأخرجت مكنون صدورها، وأمَّلَت به عَفَن الباطل، تذوقه فلا تراه إلا حلوًا، وتشمُّه فلا يكون إلا لذيذًا، وتبصر به فلا تعرفه إلا جميلًا.