الصفحة 35 من 194

إنَّ القول: إنَّ الإيمانَ صحيحٌ أو كاملٌ، أو كامل أو صحيح، بشطرٍ يكون به صحيحًا، وبشطرٍ آخر يكون به كاملًا، لا يؤثر بتقديم ولا بتأخيرٍ، ما دام أنَّ الإيمانَ ينقصُ بأيِّ عملٍ من الأعمال -من نافلةٍ أو فريضةٍ- ينقص تبعًا له أجرُ العبد وثوابه، كما أنَّ أجْرَه يزيدُ بأيِّ عملٍ صالحٍ من الأعمال، وينقص بنقصه، دلَّ على هذا وهذا الكتاب والسُّنَّة، ولا ينازع في هذا منازع.

والنقصُ والزيادةُ بالعمل في الإيمان شيءٌ، وجحوده شيءٌ آخر، بل إنَّ الجحود لا يوفي بالجاحد على الكفر إلا بشرط يجمع إليه شروطًا، ذلكم أن الجحود لا يَكْفُر به الجاحد، إلا بالعلم بما يكفر به الجاحد، وهذا العلم إما أن يكون مما يُعْلَم بالضرورة الكفر به، وإما أن يقوم الدليل عنده على صدق العمل وصوابه فآمن به وصدَّقه بقيام الدليل عنده على صدقه وصوابه، وهذا يعني عنده ولا بدَّ أنه شيءٌ من الوحي نزل به جبريل عليه السلام من عند الله على رسول الله ×، والفرق بين الأول وبين الثاني ظاهر.

فالأوَّل: يعلم كل أحدٍ في الأمة، وليس في حاجةٍ إلى تلمُّس الدليل لإثباته أو نفيه، كتحريم شتم صاحب الرسالة أو شتم القرآن، ووجوب إثبات الوحدانية لله، وإثبات صدق الرسالة، وأما الثاني: فالعلم به علمٌ خاص، إذ أنه يعتمد قيامَ صحةِ الدليل وضبطه بالفهم الصواب، وهذا لا يعلمه إلا الخاصة، والكفر به إنما هو كفر بالدليل، الذي قام عنده أنه وحيٌ من الوحي، وهو بهذا يكون كما لو جحد السُّنَّة كلها، إذ جحود الجزءِ كجحود الكلِّ ولا فرق، فقد قام عنده ما أوجب به على نفسه التصديق به، ووجوب العمل بمقتضاه، وليس في هذا الجحود من فرقٍ بين أن يكون جحودَ عملٍ نافلةٍ، وبين أن يكون جحود عملٍ فريضةٍ، إذ كلاهما إنما هو جحودٌ للدليل الذي نزل به الوحي على رسول الله ×، والوحيُ كما أسلفنا كله سواءٌ، كتابًا كان أم سُنَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت