لكن دعوى أخرى تسوقها من أمامها، وهي -وبلا ريب- أصدق وأثبت منها: إنَّ مثل هذا الذي صار آية نكراء بين السَّلفيين المختلفين -المدَّعين أنهم على منهج الحق الواحد- قد صرَّتهم فيها وإليها ضراء نافرةٌ، وحبئهم بكَشْرها نعمة جائرة، وأصمّتهم بنعيبها خيْبة عاثرة، أفما كان حسنًا جميلًا أن يسلكوا سبيل المودَّات، فلا يجدوا وهم من فوقها إلا ما يزيد من بأسها في صدورهم، ويوثقهم إلى نورها الهادي، ويقيل عثرتهم من سقطةٍ أودت بأحسن ما أوجب الله عليهم أن يحرصوا عليه، وهو الأخوَّةُ الراضيةُ المرضية، لينالوا بها رضوان الله في الآخرة، وتوفيقه في الدنيا؟، إنه والله لشيءٌ عُجاب، يُعصى فلا يجاب، ويعيبُ ولا يُعاب!.
الخامسة: لقد حُفَّت مسيرة الإسلام العلمية منذ نشأتها، وستبقى محفوفة، بأسباب الحفظ والبقاء على نحو لم تعرفه علوم البشر كافة، ومن ذلك التوفيق الذي لم يدع للخطأ -مهما عظم وقوي- مكانًا يؤويه إليه، لذا فإننا نقرأ للعالم الواحد القول والقولين والثلاثة، في المسألة الواحدة، ولربما بقيت هذه الأقوال منسوبة إليه على سواءٍ وقصد إليها، فلا يُعرف أنه رجع عن واحد منها. وأعجب من هذا أن تلتقي الطائفةُ من العلماء، على تباين اختلاف فيها -على أقوالٍ- لا يماز واحدٌ منها من الأخرى، لا يمنع المودّة فيهم، بل ربما كانوا في ذلك على قدم الصحابة رضي الله عنهم في جعل الاختلاف في المسائل العلمية طريقًا إلى المودَّة.