السادسة: وقد ظلت سنَّة حسنة في المنهج العلمي الذي اتبعته الأجيال الصالحة، إذًا: فلِمَ كان هذا التحول الذي صار إليه أهل العلم من العداوة، والخصومة، والتحاسد؟ ولماذا تضيق أعطاننا بالخلاف العلمي، حتى نتبارى في السخائم وإحراز قصب السبق إليها؟. ومن الخلاف العلمي -الذي لا محيد عنه- أن يختلف الواحدُ على قوله هو نفسه في مسألة ما، يكون قال فيها قولًا ثم عاد عنه، ومن هذا، ماكان مني أنا من توضيح للقول الذي شُهرَ عن ابن عباس رضي الله عنهما في مسألة: (كفر دون كفر) حتى لكأنها لصيقة بالوحي، وما كانت -لو صحت تلك النسبة- إلا من اجتهاد منه رضي الله عنه.
وكان لي في هذه المسالة فهمٌ غيره، لا أحسبني خالفت فيه عن أصل من أصول الدين، ولا خرجت به عن قاعدة من قواعد الشرع، ولا حتى عن المعنى الذي أوقعوه على كلمة ابن عباس رضي الله عنهما.
ولو كان نظر متأمَّل فيما ذهبت إليه ما كان إلا الذي قلت ومع كلِّ الذي كان -مما أثير حول ما صرت إليه من اجتهادي في هذه القولة- فإني أقول لطلاب العلم- إن فهموا عنِّي ما قصدت إليه من المعنى الصحيح الجديد، الذي صرت إليه، وهو حق إن شاءَ الله، أم لم يفهموا -إنَّ الذي أثبتُّهُ في الطبعة الجديدة الثامنة لإرشاد الساري، هو الذي أرتضيه حقًا في مقولة ابن عباس رضي الله عنهما، وأن الذي كنت عليه في كتبي السابقة، من مثل:"هي السَّلفية"و"مجتمعنا المعاصر"و"رفع الجهالة والغرر"يحتاج إلى نظر جديد وصياغةٍ جديدة، ولا عيبَ يعيب طالب العلم من مثل هذا، فتلك سنَّةٌ ماضيةٌ من سنن العلم، عُرفَ بها أهلُ العلم وارتضوها لأنفسهم، ورحم الله ذلك الإمام العظيم القائل: يا هذا لا تكتب عني كل ما أقول، فقد أقول اليوم قولًا، فأعود عنه من غدٍ.
السابعة: وإني لناصحٌ من يقرأ ما أكتُب أو كَتبتُ باثنتين: