وعندي: أنَّ اللغة التي عرفها العرب أنَّها لغتُهم، بقيت مستقرّةً في ألسنتهم ؛ والقرآن ينزل، والوحي يتتابع، يصدرون عنه، ويَردُون عليه، حتى استوفَوا قلائد الأحكام، وعيون الشرائع، وصاروا الأكنَّة الأمينة، والعَيْباتِ الحافظَ لهذا الدين، فكانوا -بهذه اللغة- هم السَّدَنَةَ، المبارَكين، الأخيار، التي ما فتأت تهَب من ذاتها في غير رُقبى لجزاءٍ، أو نظرٍ إلى غير عقبى الدّار، فلما أن جاء أمر الله، وأخذتِ الفتوح - بعد القرون الثلاثة الأولى- تأكل من أطراف الأمّة، وتسوقها بأذواق الحضارات الغائرة البائرة؛ إلى جوادَّ ملتويةٍ متداخلة، وتمعن في إقامة شخوص، معالِمُها الوهميّة أطاحت من قبل بشعوبِ وأخلاطها: تحاتَّت الحروف والكلمات العربية على أطراف ألسنةِ أهلها، وتساقطت ذرّاتها وأجزاؤها، وتمازجت باللغات التي أوت إلى الأرض العربية، وهاجرت إلى أرض أهلها، وهي مقيمةٌ بين ظهرانيهم فيها، فصار اللسان العربيّ غيرَ وادٍّ أن يبقى مصاحبًا كثيرًا من أهله؛ وهمُ الذي استعجمت العربية على ألسنتهم، وصار شديد الرغبة في الهجرة من أرضه الأولى إلى الأرض الأعجمية؛ التي أنبَتت فيما أنبتت -على هُجنَةٍ وعُجمَةٍ فيها- علومًا عقليةً، أبحرت بفلكها؛ تقلُّها، لتضعَها على شواطىء الأرض العربية، فكانت ثروةً جديدة للعلوم التي أنشأها العقل العربي الصريح في أرضه، قبل أن تكون العُجْمة الوافدة بعد ذيوع الفتح العربي.