وليس في وسع كلِّ من يحرِّك لسانه بالحرف العربي، أن يكون قادرًا على إدراك المعاني المكنونة في الحروف والألفاظ العربية، وبخاصةٍ؛ وأنها قد غابت حتى عن الطبَقة التي تتصدر الأمة، ممن جيء بهم: إمّا من عند أنفسهم قسرًا، وإمّا فرضًا من غيرهم ممن غُلبوا على أمرهم، وإمّا حين صوّحتِ الأرض من القادرين على اجتلاب المعاني والأفكار، من غير جهد ولا إعسار.
وليس يخفى بأن هذه الطبقة، قد أرقدتِ الجهلَ في عقولها، وأبت إلاَّ أن تقوم على حراسته حتى تفارق الدّنيا، والدنيا -عندها- مزيجٌ حافل من متاع الدنيا، ومِن سوءِ عذاب الآخرة، فقد غَفَلت عن أنَّ اللغة العربية هي الأصل، المنيع، الواسع، الَّذي تجتمع إليه علوم الإسلام، ومعارف العربية كلُّها، وأنَّ من أكبر الخطيئَات - بل هي أعظمها وأفدحها - أن تُغشى تلكم المعارف والعلوم من غير بابَتها، وذلك حين تصبح اللغة كلًا على كواهل من يحركون ألسنتهم برطانتها!
لذا؛ فإنه ليس من حقّ كلِّ من يحرّك لسانه بالحرف العربي أن يدخُلَ مُدْخلَ عجز في المعارف والعلوم العربية، ثم لا يجد منجىً منه إلا بعجز أشدَّ منه (5) .
وعليه؛ فإن للأمور أهلَها الأحقَّ بها، والأولى أن يقوموا عليها، ولا يكونون أهلها الأحقَّ بها؛ إلاَّ بالأسباب الموصلتِهم بها وإليها، والأسبابُ كلُّها مجموعة في هذا الأمر بالإحاطة علمًا باللغة العربية، والتي خلَّدها القرآن، وخلُدت بالقرآن، وكانت اللسان المبين للقرآن.
وتبقى مسألة التكفير على رأس المسائل؛ التي استوت على ساقها زمانًا وأكلت من جهد العلماء، وأذابت من أسنان أقلامهم، وأورمت آنافَ كثير ممن خاضوا فيها؛ بحقٍّ أو بباطل.
وكان الخلاف - ولا زال - في هذه المسألة يدور حول معنى الكفر؛ لغة وشرعًا، وتداخل المعنيين بعضهما ببعض، وظهور المعنى المراد في أحدهما أقوى من الآخر، وكون اللفظ عامًا واسع الدلالة، أو خاصًا لا يتعدّى إلى سواه، أو أنَّ مما يدلّ على الشيء وضدّه.