وقد أسلفنا أنَّ الكفر هو الستر، وهو كما يكون بالاعتقاد القلبي، يكون بمثله بما يشبهه من ترك الجوارح له، ولو قلنا: إنه اعتقاد جارحيّ لما أخطأنا؛ لأنّ الإذعان كما يكون بالقلب، يكون بالجوارح أيضًا، غير أنّ الإذعان القلبي أمرٌ مستورٌ خفيُّ، والإذعان بالجوارح أمرٌ مكشوفٌ جليُّ، ولولا أنّ هذا هو المعنى المراد من الإذعان، وأنه بشقَّيه لا يخرج عن مقتضاه الحق، لَما كان من الصحابة -رضوان الله عليهم- مثلُ هذا الإطباق على تكفير تارك الصلاة، والصلاة من أعمال الجوارح، لا من أعمال القلوب (21) ، إلا ما كان من نيَّة يقصد بها إليها، ومن يدَّعي غير هذا عن الصحابة، فإنَّه متكلف شططًا، ناءٍ عن اليسر المقتضيه سلامةُ الإقبال على الفهم السَّويِّ، ومن فرَّق في هذا؛ فهو شاقٍّ المعنى الواحدَ شِقَّين، وراضخٌّ الحرفَ الواحدَ؛ ليجعل منه حرفين اثنين، ولو كان شيءٌ من هذا مقبولًا عندهم -وهم السادة في فقه الوحي بشقَّيه، وأهلُ اللَّسن والعقل في اللغة-؛ لألقوا إليه قلوبهم، وأفصحت عنه مقاولهم، ولَبَاتَ عندهم في خبر أضحى، ولكان يكون إخفاؤهم إياه خيانةً لله ولرسوله، وحاشاهم من ذلك، فهُم الصُّدق، الأمناءُ، الأخيار، الذين ألْقوا أنفسَهم على فطرة التوحيد الحق.
* سادسًا (22) : وما يكون لنا -ونحن نَعرض للكلام في هذا الأمر- أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ