كثير من الناس اليوم، بل سوادهم الأعظم يتورعون عن التحدث في أمر العقيدة إلاَّ حديثًا عامًا لا يضع عن جاهل جهلًا، ولا يزيد عالمًا علمًا، ولو كان تورعهم هذا كائِنًا منهم لوضوح تصورهم في العقيدة لمُدحوا عليه، لأنه هو الأصل، وهو سبيل السلف من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، فيكونون بذلك قد نهجوا نهج أسلافهم، وحذوا حذوهم، واتَّبعوا سبيلهم، ففازوا بالأخذ بهديهم،"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ".
غير أن تورعهم هذا كائِن إما خشيةً منهم على عقيدة ورثوها أن تبدل وتغير فيهم، وإما -زعموا- حفاظًا على وحدة كلمة الأُمة أن تفرق، أو تزداد فرقة، وإما خوفًا من الدهماء والعامة، وهذا لعمر الحق لا يدل على ورع صحيح، ولا حتى على علم شحيح، والورع منشؤه العلم، والعلم ينتهي بالعالم والمتعلم معًا إلى الورع.
وكان البعض الأُخر يمسك عن الحديث في صفات الله تنزيهًا له كما يزعمون، ينزهون الله بأكثر مما نزه به نفسه.
ومن هنا كان التحدث في أمر العقيدة فيه بعض الصعوبة والحرج من كثير ممن تأثر بهذا الاتجاه الخاطئ وتأَثم منه.
والذي أُريد التحدث عنه هو توحيد الصفات، فأقول: إن توحيد
الصفات هو الذي دارت فيه رحى الحرب الطويلة الأمد بين الحق وبين الباطل، وضلّت فيه طوائِف كثيرة من المسلمين، ودقّت في ساحتها أعناق الأُلوف المؤلفة من أهل العلم، إذ زاغت منهم العقول والقلوب، وانحرفت بهم الأهواءُ المضلة عن سواء الصراط.
فأقول أولًا: مضت القرون الفاضلة الأُولى، والقرآن والحديث هما مصدر التوحيد بأنواعه الثلاثة، كما كانا مصدر التشريع في العبادات وغيرها. توحيد الأُلوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الصفات، ولم يُعرف أن أحدًا من الصحابة رضوان الله عليهم كان يسأل الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن مسألة من مسائِل التوحيد أبدًا.