الصفحة 98 من 194

وإني لأعجب حقًا؛ كيف مضت هذه القرون على هذه الكلمة ولم يتنبّه إلى الخطأ الجسيم -الذي جلَّلها- أحدٌ من أهل العلم؛ على وفرة عددهم، وكثرة جماعاتهم؟! حتى أضحى هذا الخطأ جزءًا من هذه المقولة، لا ينفك عنها، ولا تنفك عنه، وحتى صارت هذه الكلمة أو كادت أن تكون نسبتها إلى بعض أهل العلم -ممن شهروا بالولوع بتردادها- أقرب من نسبتها إلى ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ على ما هي عليه! وما عليك صاحبي إلا أن تنظر بانعامٍ، لتعلم أن كلَّ الذي أجلت قلمي به في كلمة ابن عباس، إنما هو بإثباتها لا بنفيها.

وإن نحن أردنا التحقق من فقه هذه الكلمة، وصواب أحقيتها؛ بالإثبات أو بالنفي؛ فإنَّ ذلك يقتضينا أن نعرض لها في مسائل:

* الأولى: أن هذه الكلمة لم تعرف نسبتها -لو صحت- لابن عباس إلا من بعد موت رسول الله × ولم تُعرفْ نسبتها لأحد غيره -رضوان الله عليهم- وهي مسألة جليلةٌ خطيرةٌ، ما كان للوحي أن يدعها لاجتهاد مجتهد، أو لتأويل متأول، فكان -إذًا- ولا بدَّ من أن يجعلها رسول الله × ميراثًا من بعده لأمته، لئلا تشتجر فيها الأفهام، أو تزلَّ عنها الأقلام.

•…الثانية: أن هذا التَّفريق كان يمكن أن يكون؛ لو أن رسول الله × لم يحكم فيه حكمًا لا يقبل التأويل، وذلك قوله:"من تركها فقد كفر"، ولم يكن لهذا الحكم مولجٌ لشبهة دافعةٍ لصريح هذا الحكم، ولو كان لهذه الشبهة من سبيل لدفعه -لأغنانا عنها شيء من عند الله سبحانه- يُقْضى به، أما ولم يكن شيءٌ يحب الله أن يكون، فخيرٌ لنا أن نمسك عنه ولا نتخوّض فيه، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت