فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 33

المطلب الخامس: حكم العمل بالضرورة.

حكم العمل بالضرورة من حيث هي ضرورة الإباحة.

والمراد بالإباحة ها هنا: رفع الحرج والإثم [6] .

والدليل على ذلك: قوله سبحانه: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) [7] حيث نفى عنه الإثم [8] .

أما حكم الضرورة على التفصيل؛ فإن الضرورة على ثلاثة أقسام: [9]

القسم الأول: ضرورة يجب فعلها؛ كأكل الميتة بالنسبة للمضطر الذي لا يجد من الحلال ما يرد به نفسه.

فالمضطر قد أُرخص له في ارتكاب المحظور بأكل الميتة، قصدا لرفع الحرج عنه، ردا لنفسه من ألم الجوع؛ فإن خاف التلف كان مأمورا بإحياء نفسه، وكان ذلك عزيمة من هذه الجهة، وإنما يسمى رخصة من جهة رفع الحرج عن نفسه [10] .

وعلى هذا يفهم معنى الإباحة الواردة في قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) أي أن الضرورات تغير حكم المحظور وتنقله من المنع والحظر إلى الإذن والإباحة.

فالمقصود من هذه القاعدة بيان أثر الضرورة في تغيير أحكام المحظورات، أما حكم العمل بالضرورة فإنه يختلف بحسب الإضافات والأحوال، ولا يأخذ حكم الإباحة باطراد.

والعمل بالضرورة في هذا القسم واجب، بحيث لو امتنع عن الأخذ بالرخصة كان آثما، وذلك لأن حفظ النفس واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

القسم الثاني: ضرورة يباح فعلها؛ كإجراء كلمة الكفر على اللسان عند الإكراه.

فالعمل بالضرورة في هذه الحالة جائز، حيث اقتضت الضرورة الإذن في ارتكاب المحظور، وهو التلفظ بكلمة الكفر، ويبقى هذا المحظور على ما هو عليه من الحرمة والحظر، ولا يصير جائزا؛ لأن حرمته مؤبدة.

والمرفوع إنما هو الإثم والمؤاخذة الأخروية، بل إن هذا المكره لو صبر حتى قتل لصار شهيدا.

ومن الأمثلة على ذلك أيضا: الاضطرار إلى أخذ مال الغير أو إتلافه، فيباح ذلك للمضطر لأجل الضرورة، ولكن لا يبطل هذا الاضطرار حق الغير، فيجب على المضطر ضمان ما أتلف؛ إذ القاعدة تقول: (الاضطرار لا يبطل حق الغير) [11] حيث إن الاضطرار يفيد حل الإقدام على مال

(1) انظر شرح القواعد الفقهية للزرقاء: 141 والوجيز للبورنو: 202.

(2) انظر المنثور: 2/ 321 والأشباه والنظائر للسيوطي: 86 والأشباه والنظائر لابن نجيم: 87 والوجيز للبورنو: 202.

(3) انظر الأشباه والنظائر لابن نجيم: 87 وشرح القواعد الفقهية للزرقاء: 143والوجيز للبورنو: 206.

(4) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي: 87 والأشباه والنظائر لابن نجيم: 88، 89 وشرح القواعد الفقهية للزرقاء: 145، 147، 149 والوجيز للبورنو: 203.

(5) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي: 87 والأشباه والنظائر لابن نجيم: 90 وشرح القواعد الفقهية للزرقاء: 151 والوجيز للبورنو: 208.

(6) يطلق المباح عند الأصوليين بإطلاقين؛ أولهما: ما استوى طرفاه، وهو ما خُيِّر فيه بين الفعل والترك، وهذا الإطلاق هو الأصل، والمباح بهذا الإطلاق قسيم للواجب والمندوب والمكروه والحرام. والإطلاق الثاني: ما رُفع فيه الحرج، وهو بهذا الإطلاق يعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح، ويسمى بالحلال، فهو قسيم الحرام؛ كما قال تعالى: (فجعلتم منه حراما وحلالا) سورة يونس: 59.

انظر منهاج السنة النبوية: 4/ 173 والموافقات: 1/ 223 وشرح الكوكب المنير: 1/ 427.

(7) سورة البقرة: 173.

(8) انظر الموافقات: 1/ 474 - 484.

(9) انظر التفسير الكبير للرازي: 20/ 98 والمنثور: 2/ 164 والأشباه والنظائر للسيوطي: 82، 84.

(10) انظر الموافقات: 1/ 482.

(11) انظر الفروق للقرافي: 1/ 195 والقواعد لابن رجب: 36 شرح القواعد الفقهية للزرقاء: 159 والوجيز للبورنو: 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت