فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 78

كما يُذكر أن الصدر تتلمذ على يد الخميني في قم، وعندما قدم الصدر إلى لبنان وكان ذلك في عام 1958م، أي كان لديه ثلاثون عامًا فقط، عندما قدم حصل على الجنسية اللبنانية مباشرة بناء على قرار جمهوري أصدره الرئيس شهاب (1958م ـ 1964م) (1) وكان هذا القرار فريدًا من نوعه؛ لأن إعطاء الجنسية اللبنانية لغير النصارى أمر في غاية المشقة، فكان ذلك القرار بمثابة التمكين لأقدام الصدر في لبنان.

"وكانت شخصية الصدر وبداياته ودوره وتحالفاته مثار كثير من التساؤلات؛ إذ أحاطها الغموض الشديد وعلامات الاستفهام الكثيرة؛ فهذا كامل الأسعد ـ وهو شيعي ـ في حديث نشرته مجلة الحوادث اللبنانية في 3/1/1975م يقول: إن هناك أكثر من علامة استفهام تدور حول الخطة التي ينفذها موسى الصدر والأشخاص الذين يؤيدونه هنا وفي الخارج، وأبعاد هذه الخطة في لبنان وفي الخارج". (2)

"وكان يُذكر للشاه محمد رضا بهلوي أنه كان يقمع الحركات الأصولية داخل إيران، ويدعم توسعها خارجها، وقد دعم الشاة حركة الدعوة (محمد باقر الصدر) في العراق، وموسى الصدر في لبنان". (3)

"وقد ذكر شهبور بختيار الذي قلده الشاه السلطة في إيران حينما تركها أن الشاه محمد رضا بهلوي كانت له أحلام توسعية كبيرة، فأرسل موسى الصدر إلى لبنان من أجل تعزيز مشروع إنشاء دولة شيعية تضم إيران والعراق ولبنان، ووعده الشاه بخمسمائة ألف دولار مقابلًا لذلك". (4) واللافت للنظر والذي يؤكد التواطؤ الواضح لتنفيذ مشروع الدولة الشيعية الكبرى، هو ذلك التوافق الزمني للبدايات في الدول الثلاث؛ فالخميني في إيران، ومحمد باقر الصدر في العراق، وموسى الصدر في لبنان، فهكذا كانت الأمور مرتبة ومعدة.

والآن نقف على الإنجازات التي حققها موسى الصدر للشيعة في لبنان، فقد حقق الصدر لشيعة لبنان عدة إنجازات تحولوا بها من هامش الحياة السياسية اللبنانية إلى متنها، بل وإلى عناوين موضوعاتها، وكان من أهم تلك الإنجازات:

1 -تحديث القيادة الشيعية:

وسع موسى الصدر أن يقول:"لقد أخذت بيد رجل الدين لأدخله في المجال الاجتماعي، ولقد رفعت عنه غبار القرون". (5)

"فلقد آذن النحو الذي نحاه موسى الصدر في بناء القيادة الشيعية في العقد السابع من القرن العشرين الميلادي بتحول كبير في رسوم هذه القيادة وفي ترتيب معاييرها. فتصدى الشاب ذو الثلاثين ربيعًا لمثل هذه المهمة، القيادة، من غير ادعاء علم يفوق علم أقرانه، ومن غير الإدلال بإجازات ولا بتآليف أو اجتهادات. ولم يَعْنِ ذلك عزوفًا عن الخوض في المطالب الدينية. فهو توسل إلى غاياته بالعمل السياسي الجماهيري، وبتكثير العلاقات ونسج الروابط التي تجعل منه وسيطًا وطرفًا في شبكة الروابط اللبنانية والإقليمية. فتوجت مكانته، وإمامته، فلاحَ نهجه في إظهاره من يتكلم باسمهم، بمظهر القوة السياسية والاجتماعية التي ينبغي احتسابها في المشاريع العامة المختلفة، وإذ انضوى إلى الصدر وإلى حركته معظم العلماء الشيعة اللبنانيين واعتزلته جماعات أخرى منهم: أنصار حزب الدعوة، والمتحلقون حول الزعامات التقليدية، وأنصار التيارات التقدمية والعلمانية، ومردُّ ذلك إلى عمله السياسي في المرتبة الأولى. إلا أن الدور السياسي لم يورث مرجعية دينية وفقهية التي بدا أن الصدر لا يوليها اهتمامًا كبيرًا، برغم حرصه وحرص شرف الدين الذي جاء الصدر ليخلفه، على تكثير العلماء، وتمهيد سبل إعدادهم. فتصدر الشيعة اللبنانيين تصدرًا متنازعًا رجلُ دين لم يُجمِع أقرانه عليه، ولم يسع هو إلى مثل هذا الإجماع. لذا خلت مسألة المرجعية من كل مضمون، وجلا عنها كل إلحاح، فلم يتصدّ لها أحد من العلماء، لا قبل الصدر ولا بعده، فأثَّر موسى الصدر في إخلاء مسألة المرجعية من مضمونها وإلحاحها، برغم أن السياسة الخمينية تنهض في وجه من وجوهها على إنشاء سلك علمي وديني واسع ومتماسك تسوسه على نحو مركزي". (6)

وبهذا فقد أضعف الصدر إلى حد كبير دور الزعامات الشيعية التقليدية التي لم تكن لها تطلعات ثورية، وارتضت واقع العيش اللبناني، والتمسك بالمكاسب الخاصة دون النظر لتطلعات وآمال وآلام الأمة الشيعية إن لم يكن قضى عليها.

2 ـ وضوح التميز الطائفي:

اتخذ الصدر لإجلاء صورة الطائفية الشيعية أمرين مهمين:

الأول: تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى:

(1) يذكر أن الأسرة الشهابية كانت من الأسر الدرزية التي تنصرت، انظر: الطائفية اللبنانية من النشأة حتى الأزمة، د. محمود الصراف، دار الهداية للطباعة والنشر، ص 15، وانظر: تاريخ لبنان الحديث، ص 40 ـ 41.

(2) انظر: عبد الله الغريب، وجاء دور المجوس، 409 ـ 423.

(3) تجربة الإسلام السياسي، ص 178.

(4) انظر: الصدر ودوره في حركة أمل، ضمن حلقات: الإسلام والكونجرس الأمريكي، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 957، ص 47.

(5) فؤاد عجمي، الإمام المستتر، ص 58.

(6) انظر: دولة حزب الله، ص 167 ـ 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت