فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 78

جاهد الصدر كثيرًا لضم الشتات المبعثر لشيعة لبنان، وما أن بدأ الالتئام حتى سعى إلى الانفصال التام بالشيعة باعتبارها طائفة مستقلة عن المسلمين"السنة"في لبنان، فقد كان للمسلمين في لبنان مفتٍ واحد ودار فتوى واحدة، وكان المفتي وقتها هو الشيخ حسن خالد ـ رحمه الله ـ، وادعى الشيعة أن الشيخ حسن خالد رفض التوصل إلى عمل مشترك معهم ، (1) فكر الشيعة في إنشاء"المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى"عام 1966م ووافق مجلس النواب اللبناني على إنشائه واختير الصدر رئيسًا للمجلس، وبهذا أصبحت الشيعة طائفة معترفًا بها رسميًا في لبنان كالسنة والموارنة. وأصبح هذا المجلس المرجعية السياسية والدينية الجديدة التي تهتم بكل ما يتعلق بالشيعة اللبنانيين وبجميع شؤون حياتهم ومماتهم، وتحولت المرجعية بهذا المجلس من مرجعية فردية إلى مرجعية مؤسسية، وإن لم يتم التخلي عن دور المرجع الشخصي.

الثاني: تأسيس حركة المحرومين:

أخذت هذه الحركة في بدايتها بالسمة الاجتماعية والمناداة بتحسين أحوال الشيعة في لبنان، وخاصة سكان الجنوب، ووضع لها الصدر شعارات براقة، كالإيمان بالله والحرية والعدالة الاجتماعية والوطنية وتحرير فلسطين، وأن الحركة لجميع المحرومين وليست خاصة بالشيعة،"فنزعت هذه السياسة مع موسى الصدر إلى استدراك ما فات الشيعة اللبنانيين من لحمة ومن قوة، وذلك من طريق وصل ما انقطع بين المقيمين في الأرياف وبين النازلين المدن، ومن طريق تقريب ما تباعد بين أهل جنوب لبنان وبين أهل بقاعه أو شماله الشرقي، وكان على حركة الصدر أن تصور الفروق الاجتماعية والثقافية المتعاظمة في صفوف الشيعة في صورة الأمر الهين والثانوي، والذي يتأخر عن وحدة جماعتهم زمنًا قبل أن تتداركه فتجلو الجماعة الشيعية واحدةً، سياسة واجتماعًا. فجاءت السياسة الشيعية الجديدة تتويجًا لانفكاك السياسة من الحياة الاجتماعية ومن علاقاتها، وتتمة لهذا الانفكاك. لكن هذه السياسة نقلت إلى جملة الطائفة ـ أي إلى كل الشيعة ـ ما كانت الأنظمة النيابية والانتخابية تنيطه بطاقم نيابي، تتصدره مراتب عائلية بعينها، لا تتصل بالحياة الاجتماعية إلا من طرق مواربة، ولما كان"كلّ"الشيعة، شأن"كلّ"أو"جميع"أي جماعة، لا كيان له إلا متخيّلًا ومتوهمًا ومرموزًا إليه، عمل موسى الصدر على نصبه وتجسيمه في شارات تقربه من المخيّلات، وتحمله على الحقيقة. فكانت التظاهرات الكبيرة التي تجمع عشرات الألوف من الناس، وتضمّ أجنحة الشيعة اللبنانيين، في الجنوب والبقاع، وفي الريف والمدينة، وكان رفع"الحرمان"شعارًا ليميز في الشيعة أنفسهم الذين أقاموا على التشيع الحق ـ على ما يراه الشيعة ـ وما يفترضه من قهر أو"مظلومية"، ليميزهم عن الذين تخلوا عن قومهم والتحقوا بذوي الامتيازات. ولكنَّ لشعار"الحرمان"دورًا جامعًا؛ إذ يذكّر بالفرق بين الشيعة وبين غيرهم داخل الفئة أو المرتبة أو الطبقة الواحدة". (2)

(1) انظر هذا الكلام وهو لحسين الحسيني ضمن حلقات حازم صاغية التي بعنوان: معرفة (بعض) لبنان، طوائف وعائلات، مناطق وأحزابًا سياسية، جريدة الحياة، العدد 13323 / 19/5/1420هـ، 30/8/1999م.

(2) دولة حزب الله، ص 79 ـ 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت