فهرس الكتاب
وكان العديد من الشباب الشيعي قد انضم إلى جماعات مختلفة مثل التنظيم البعثي الموالي لسوريا والحزب القومي الاجتماعي السوري، وجبهة التحرير العربية التي يدعمها العراق، وبعض التنظيمات الماركسية المتعددة، ولقد كان من أسباب هذا الانضواء تحت هذه المذاهب المختلفة خلو الساحة السياسية من حركة شيعية تجمع هذا الشتات الكبير، كما أن هذه التنظيمات كانت تدفع رواتب مجزية لأعضائها، وقد كانت الحالة الاجتماعية للشيعة شديدة في فقرها. وعندما أعلن موسى الصدر عن حركة المحرومين دخلها من دخلها من هؤلاء بما هم عليه من أفكار هذا الشتات، وكما ضمت الحركة تلك التشكيلة المختلفة ضمت كذلك في ثناياها"الجماعة الإسلامية"أو الخمينية والإيرانية الولاء لاحقًا، وكانت أكثر الجماعات المنضوية تحت عباءة الحركة، وقد سعت للاستيلاء على الحركة من داخلها والسيطرة عليها فكانت حركة المحرومين هي"العباءة"التي لبستها وتسترت بها قبل أن يحين خلعها والسفور عن هوية سياسية مستقلة ومنظمة، ويبدو في تلك المرحلة أن الهم الأكبر كان جمع هذا الشتات الشيعي بأي شكل كان،وتجميعه تحت قيادة جديدة تستطيع المحافظة على هذا الجمع إلى حين. وكان كذلك أن ذهب الصدر إلى علاج ما يلح عليه أهل الطائفة الشيعية، من احتياجهم إلى مرافق يتوسلون بها إلى ما فاتهم من تحديث التعليم والإعداد المهني والرعاية الصحية والاجتماعية، فأنشأ مدرسة الخياطة والتفصيل، ومدرسة التمريض، ومدرسة جبل عامل المهنية التي تخرج منها أهم كوادر المقاومة المسلحة لحركة أمل فيما بعد، كما شهد بذلك نبيه بري ـ زعيم الحركة بعد الصدر ـ، (1) كما أنشأ مبرة الزهراء ومستشفى الزهراء فيما بعد.
إلى هنا سنترك الصدر بهذين الإنجازين وسنعود إليه عندما يلتقي مع محمد حسين فضل الله في نقطة الانطلاق الثالثة.
التثوير العلمي والديني
الدور الذي قام به الصدر حل بعض الإشكالات التي تواجه التجمع الشيعي بأمراضه المزمنة؛ ولكن بقيت بعض الإشكالات الأخرى التي لا يصلح لمعالجتها الصدر وأمثاله، فبقيت قضية العلم الديني الإمامي: تدريسه وتطويره وتقريبه للناس، والترغيب في العودة إلى حِلَقه في الحوزات والحسينيات، ثم ربط ذلك كله بالهدف الأساس، وهو تحويل المجتمع الشيعي اللبناني إلى مجتمع حرب ـ على حد قول فضل الله نفسه ـ ليمهد للثورة وتحويل لبنان إلى دولة شيعية. يحيط الغموض بماهية الدور المحدد الذي يلعبه السيد محمد حسين فضل الله. (2)
قد برز فضل الله منذ خرييف 1983م بوصفه أحد أكثر علماء الشيعة نفوذًا في لبنان، وبخلاف مرشده آية الله الخوئي الذي يرفض التدخل في السياسة، مارس فضل الله دورًا فعالًا على الساحة السياسية. وبدا أحيانًا وكأنه يستمتع بوصفه شخصية سياسية معروفة.
ويُعتبر بشكل واسع قائد حزب الله أو مرشده الروحي. وبصراحة فإن التوصل إلى الحقيقة ليس بالأمر السهل، كما أنه لدى فضل الله من الدوافع التي تحمله على المكر والتضليل ما لدى أعدائه أو يزيد.
يزعم فضل الله بشكل دائم بأنه ليس رئيسًا لأي حزب أو حركة؛ إذ ليس المهم أن يكون رئيسًا (أو مرشدًا) لحزب الله بقدر ما هو مهم أن تلقى دعوته صدى لها في صفوف الطائفة الشيعية جميعها. (3)
وفضل الله رجل زئبقي التصورات والأفكار، ويجيد المراوغة الكلامية والتلاعب بالألفاظ، ولكن يبقى أن كل هذه المؤهلات لا تستطيع الحياد به أو أن يحيد هو بها عن هدفه الأساس في لبنان، ومن هذه الأفكار التي تبدو متناقضة متنافرة نراه يقول:"أنا في الحقيقة رجل حوار، ولي كتب ومدرسة للحوار، وأطلب من الناس أن يحلوا مشاكلهم عبر الحب والتفاهم وليس عبر استخدام العنف". (4)
(1) راجع ذلك في حواره مع مجلة الوسط، العدد 275/5/5/1997م.
(2) من سكان بئر العبد في الضاحية الجنوبية. هو ابن آية الله السيد عبد الرؤوف فضل الله، من قرية عيناتا الجنوبية، ولد السيد محمد حسين فضل الله في مدينة النجف العراقية في عام 1935م أو 1936م. ودرس على يد آية الله أبو القاسم الخوئي، من كبار مراجع الشيعة في العالم. قدم فضل الله إلى لبنان في عام 1966م وأقام في النبعة في ضاحية بيروت الشرقية، وعيّن في عام 1976م وكيلًا للإمام الخوئي (ممثله الشخصي) في لبنان. أقام في النبعة ـ حيث وعظ وكتب ـ إلى أن استولى عليها حزب الكتائب في 1976م فاضطر لمغادرتها كما فعل جميع سكان الحي من الشيعة. انظر ترجمة وافية له في:"العلاَّمة فضل الله وتحدي الممنوع"علي حسين سرور، الشركة العامة للخدمات الإنمائية، الطبعة الأولى، 1413هـ ـ 1992م.
(3) أمل والشيعة: 168 ـ 169.
(4) حوار نشر ضمن حلقات الإسلام والكونجرس الأمريكي، أجراه معه. د. جورج نادر، ونُشر تحت عنوان: قراءة في فكر زعيم ديني لبناني، الأعداد: 953، 954، 955 من مجلة المجتمع.