فهرس الكتاب
كانت التقليدية والجمود الذي أصاب العلم الإمامي إحدى الإشكالات التي كان ينبغي التوجه إلى علاجها والتأكيد عليها، وكان مما قاله الخميني في ذلك:"قدِّموا الإسلام للناس في شكله الحقيقي، حتى لا يتصور شبابنا أن وظيفة رجال الدين أن يجلسوا في أحد أركان النجف أو قم لتدارس أمور الحيض والنفاس، بدلًا من شغل أنفسهم بالسياسة، ومن ثم يستنتج الشباب أنه يجب فصل الدين عن السياسة". (1)
"والمعهد الشرعي الإسلامي سعى إلى إخراج"العلم"الإمامي بلبنان، من شرنقة العائلات الدينية التقليدية، وقصد إلى جلاء صورة جديدة لرجل الدين تميل به عن صورة"الشحّاذ"، العاطل عن العمل، أو واعظ الناس"مواعظ تقليدية"، ومحدّثهم في الصلاة والصوم، ومرغبهم في الجنة، إلى صورة، بل إلى حال مختلفة يصح معها نزوعه إلى دور الولاية العامّة، وإلى محلّ الصدارة في ميادين النظر والعمل كافة، فأقبل على المعهد الشرعي الإسلامي طلاب حرص بعضهم حرصًا شديدًا على الظهور بمظهر محصّلي العلم"العصري"، وعلى النجاح أو التفوق في مضماره، ورمى الطلاب، ومرشدوهم، من وراء ذلك، إلى رفع ما لحق برجل الدين التقليدي من ازدراء به، وإلى محو وصمة البطالة والفراغ والجهل عنه. فلا يؤول ذلك إلى نفض الغبار عن دوره فحسب، بل تحلّ قوة العلم في دعوته وفي كلامه ومواقفه، ويشق الطريق أمام المحتذين على مثاله والمقتدين به، فيتكاثر عدد السالكين طريق علوم الدين. وجمع طلاب المعهد بين التحصيل الديني وبين أنشطة حياة عادية ووجوهها. ومثل هذا الجمع ضروري وحيوي للدعوة وحزبها". (2)
"ولا يخفي القائمون على الحركة الإسلامية الشيعية بلبنان ما يتوقعونه من طلبة المدارس الدينية بمثل ما يقدمه الثوريون المحترفون قُوّام الحزب الشيوعي اللينيني والستاليني، من مرونة العمل، والتعبئة السريعة والانتشار العريض في ثنايا المجتمع الذي يعملون لأجل حكمه، والقبض على أزمَّته؛ فهؤلاء الطلبة هم الأطر، والكوادر ـ بحسب الاصطلاح الشيوعي ـ فهم من يُسرع إلى الاشتراك في الحرب وفي العمليات الخطيرة". (3)
وقد صب هذا التطوير للتعليم الديني في مجرى تحقيق الهدف الأساس من تحويل المجتمع اللبناني الشيعي إلى دولة شيعية قد تتوافق بداياتها مع البدايات الإيرانية أو تلحق بها فيما بعد فلا تقتصر السياسة على الوجه المتصل بالمدارس والتدريس، وعلى سلك العلماء وإعداده، فهي تعد الجسم الديني بغية تأطير"المجتمع الإسلامي"وقيادة المعقل الشيعي، فما العلماء، والطلبة من بعدهم وورائهم، إلا المبلِّغون عن الثورة، وعن مرشدها، ودولتها، وحوزاتها، وقد أوْلى التراث الشيعي العلماء والمبلغين والدعاة دورًا خطيرًا، وأناط بهم نقل العلم الإمامي، أو الأدلة إليه. فكان التشيع الإمامي بين أُولى الفرق التي برعت في إعداد الدعاة وتنشئتهم ووضع رسوم عملهم. ولا يستقيم عمل العلماء الدعاة إلا بتدبير يتناول مواضع الدعوة ومطارحها ومظانها، وهي المساجد والنوادي الحسينية وغيرها.
الملا.. الانتحاري!!
كان لا بد لهذا التطوير بعد هذا التأطير للمجتمع الشيعي من أن يصب في مجرى آخر للالتقاء مع حركة الصدر من أجل الثورة بعد التثوير.
يذكر وضاح شرارة مثالًا لأولئك الطلبة الجدد، وهو من رمز إليه بالشيخ (حسن. ل) حيث عاد إلى لبنان من النجف في عام 1971م، وعهد إليه بتدريس الحلقات في بعلبك وبيروت والنبطية. يقول عن نفسه:"في عام 1972م أحسست أن الشعب يحتاج إلى قيادة دينية واعية، فبدأت أشارك الناس أعمالهم مثل زراعة التبغ!! وأعيش همومهم وقضاياهم، وقمت بإضراب سبيل الماء، وكانت لي صلات اجتماعية كثيرة وكنت متابعًا لأربع عشرة قرية، وأدرس فلسفتنا واقتصادنا"لباقر الصدر"، وكانت هذه الحلقات في المساجد والحسينيات والبيوت، هيأنا في منطقة النبطية جوًا عامًا دينيًا، وبدأت بتدريب الشباب تدريبًا عسكريًا في 1975م، فدربت حوالي أربعمائة شاب". (4)
فما كانت تحتاجه الحركة الشيعية في المرتبة الأولى ليس العلماء المراجع والحجج، بل المحرضين والمعبئين والمقاتلين.
فيقول محمد إسماعيل خليق ـ ممثل الشيخ حسين منتظري في لبنان ـ:"إن الحوزات العلمية على مدى العصور كانت منطلقًا للثورات ضد الظالمين؛ فهي مشعل لانتصار الإسلام والمسلمين في كل العالم، ومعين الطلبة الذين يشتركون في العمليات الجهادية". (5)
ويقول حسن نصر الله:"يجب أن نعمل على إنضاج الممارسة الجهادية، فعندما يكون في لبنان مليون جائع، فإن مهمتنا لا تكون في تأمين الخبز، بل بتوفير الحالة الجهادية حتى تحمل الأمة السيف في وجه كل القيادات السياسية". (6)
(1) الدين والسياسة والاتجاهات الأيديولوجية في إيران المعاصرة، ص 42.
(2) وضاح شرارة، ص 88 ـ 89.
(3) المصدر السابق، ص 161.
(4) دولة حزب الله، ص 91.
(5) جريدة السفير اللبنانية، 12/2/1987م.
(6) جريدة النهار، 27/1/1986م.