فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 78

وقد تم التوسل برباط"العلم"الإمامي الذي ينبغي أن يتعالى عن الأقوام والأهل واللغات، وأن يلحق المدارس الدينية والحوزات بـ"خط الإمام".

وحملة"العلم"وأصحابه على"العمل"وحدت بين العمل وبين الحرب والقتال والشهادة، وتوّجته بالدم، فاستعادت من غير ملل ولا خشية من التكرار، المقارنة التي عقدها التراث الإمامي بين حبر العلماء وبين دم الشهداء، ومزجت بينهما، وجعلت مِزَاجهما عنوانًا قاطعًا على وحدة"الشخصية الإسلامية"وعلى فرادتها، فاستحال عالم الدين إلى أحد وجهين متلازمين لكل مناضل إسلامي. أما الوجه الآخر فهو المقاتل أو المجاهد. فإذا اجتمع العلم والقتال والشهادة في شخص واحد ارتفع الشخص إلى مرتبة الولاية والمثال. وكما قال أحد شبابهم:"لا بد للعلم من جهاد يكمله ويتكامل معه". (1)

ولهذا فقد افتخر محمد حسين فضل الله بأن هذا الجيل الذي يمثله الآن"حزب الله"قد تربى على يديه. (2)

الفصل الثالث: البناء بالحرب

إعلان الحرب

في 18 فبراير من عام 1974م، وقبل بداية الحرب الأهلية اللبنانية بعام تقريبًا، وقبل اندلاع الثورة الإيرانية بسنوات قليلة، وقف موسى الصدر أمام حشد كبير من شيعته ليقول:"إن اسمنا ليس المَتَاوِلة، إننا جماعة الانتقام، أي هؤلاء الذين يتمردون على كل استبداد، حتى إذا كان ذلك سيكلفنا دمَنا وحياتنا. إننا لم نعد نريد العواطف، ولكن نريد الأفعال، نحن تَعِبُون من الكلمات والخطابات، لقد خطبت أكثر من أي إنسان آخر، وأنا الذي دعا أكثر من الجميع إلى الهدوء، ولقد دعوت إلى الهدوء بالمقدار الذي يكفي، ومنذ اليوم لن أسكت أبدًا، وإذا بقيتم خاملين، فأنا لست كذلك". (3)

"لقد اخترنا اليوم فاطمة بنت النبي، يا أيها النبي، يا رب، لقد اجتزنا مرحلة المراهقة، وبلغنا عمر الرشد، لم نعد نريد أوصياء، ولم نعد نخاف، ولقد تحررنا، على الرغم من كل الوسائل التي استخدموها لمنع الناس من التعلم، ولقد اجتمعنا لكي نؤكد نهاية الوصاية، ذلك أننا نحذو حذو فاطمة، وسننتهي كشهداء". ثم أعلن أنه لا ينحاز إلى المصالحات المهدئة التي اعتمدها الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ بل إلى التمرد الشاهر سيفه الذي اعتمده الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ. (4)

وبهذا الإعلان"الثوري"كانت بداية جديدة للحركة السياسية الشيعية في لبنان، وكانت نقطة الانطلاق التي اتفق فيها الصدر مع فضل الله.

أمل تبعث الأمل

قصة البداية:

بعد حرب العام 1948م لجأ إلى لبنان أكثر من 150 ألف فلسطيني، وفي منتصف السبعينيات الميلادية من القرن العشرين وصل هذا العدد إلى أكثر من 400 ألف، وفي أعقاب الصدام العنيف في"أيلول الأسود"من عامي 1970، 1971م بين المنظمات الفلسطينية، والسلطات الأردنية، لجأ كثير من هذه المنظمات إلى لبنان، وبطبيعة الحال فإن هذه المنظمات كانت أفضل تسليحًا وتنظيمًا من أي قوة أخرى في الجنوب. في ذلك الوقت كان المجتمع الشيعي في حالة صحوة كما مر، واجتمع للشيعة عدة عوامل تزيد من عدم رغبتهم في هذا الوجود الفلسطيني ، (5) ومنها:

1 ـ عامل التاريخ: وهو ذلك العداء القديم لأهل السُّنَّة؛ فهاهم الآن في معقل من معاقلهم"جبل عامل"وبقوة مسلحة تستطيع تهديدهم بشكل مباشر؛ ولهذا كان الشيعة أول من سارع لمساندة الجيش اللبناني"الموارنة"في الاشتباكات التي جرت مع المنظمات الفلسطينية، بل ومساعدة اليهود في ذلك أيضًا؛ فالموارنة لا يريدون تكثير"السُّنَّة"لأجل إنشاء دولتهم النصرانية، واليهود لا يريدون الفلسطينيين في لبنان لئلا يتهدد أمنهم من الشمال، والشيعة لا يريدونهم كذلك؛ لأنهم يمثلون عائقًا أمام تحقيق وجودهم وكيانهم الذي يسعون من أجله.

2 ـ عامل الجغرافيا: وهو الرغبة في عدم إثارة الدولة اليهودية"الجارة"وهذه الإثارة تنتج عن مهاجمة المنظمات الفلسطينية لأي أهداف إسرائيلية سواء من داخل لبنان أم خارجها، وذلك أن دولة اليهود دأبت على تأديب سكان الجنوب كلما حدث ذلك لتزيد من النقمة الشيعية على الفلسطينيين. (6)

(1) انظر: وضاح شرارة، ص 162.

(2) انظر حواره مع مجلة: المشاهد السياسي، العدد: 168/30/5/1999م.

(3) الإمام المستتر، فؤاد عجمي، ص 155.

(4) الإسلام الشيعي، عقائد وأيديولوجيات، يان ريشار، ترجمة: حافظ الجمالي، دار عطية للنشر والترجمة ـ بيروت، ط /1/1996م، ص 199، 200.

(5) تجلت هذه الرغبة في البرنامج الأمني لحركة أمل بشكل واضح من خلال منهجها وطريقة عملها، راجع: أمل والشيعة نضال من أجل كيان لبنان، ص 118 ـ 121.

(6) عند الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982م استقبل سكان الجنوب من الشيعة القوات اليهودية بالورد والأرز لفرحتهم بأنهم سوف يخلصونهم من الفلسطينيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت