فهرس الكتاب
3 ـ عامل الأيديولوجيا الثورية: حيث إن الشيعة في حال جديدة رغبة في التطلع لوضع سياسي واجتماعي يدفعهم نحو الدولة الحلم في لبنان، والتمكين للطائفة في الواقع اللبناني، وحيث إن الجنوب هو معقلهم التاريخي، فلا مناص إذًا من التخلص من هذا العائق الكبير الذي يقف أمام هذا الحلم. ولهذا فقد كان من الضروري التعامل مع هذه القضية الشائكة بحذر وجدية في الوقت ذاته. فالحذر: كان لاعتبار تلك النداءات التي أطلقها الصدر من أنهم يحملون هَمَّ القضية الفلسطينية وأنها قلب دعوتهم كما جاء في ميثاق حركته:"فلسطين، الأرض المقدسة التي تعرضت ـ ولم تزل ـ لكل أنواع الظلم، هي في قلب حركتنا وعقلها، وإن السعي إلى تحريرها أول واجباتنا، وإن الوقوف إلى جانب شعبها وصون مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها، خصوصًا أن الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان، وعلى القيم التي نؤمن بها وعلى الإنسانية جمعاء، وأنها ترى في لبنان ـ بتعايش الطوائف فيه ـ تحديًا دائمًا لها ومنافسًا قويًا لكيانها". (1) كما كان من دواعي الحذر أن الصدام السريع مع المنظمات الفلسطينية سوف يكون لصالحها لا محالة.
وأما الجدية: فكانت في إيجاد حركة مسلحة تستطيع تحقيق الأمن الذي تحتاجه الطائفة الشيعية، والتخلص من هذا الهمِّ الجاثم على صدورهم، وكان أن أُعلن عن إنشاء"اتحاد محرومي لبنان" (2) أو"أفواج المقاومة اللبنانية"والتي عرفت فيما بعد باسم"أمل"ومن العجيب أن هذا الاسم الأخير"أمل"كان من اقتراح ياسر عرفات على موسى الصدر ، (3) وكانت هذه الحركة هي"الجناح المسلح"لحركة المحرومين التي تم التدثر بها ابتداءًا.
"ومضى الصدر إلى أبعد من مجرَّد الدفاع الداخلي عن حقوق طائفته، فنراه يقيم علاقات وثيقة مع المقاومة الفلسطينية، وهكذا نجده يخرج عن تحفظه في موضوع العلاقات بين الدولة اللبنانية والمنظمات المسلحة التي كانت تعمل ضدّ (إسرائيل) بدءًا من جنوب لبنان، وكان تحالفه معها يتيح لرجل الدين الإيراني، أن يستفيد من دعم عسكري لكي يقف بقوة أمام الرؤساء التقليديين لجبل عامل، وأن يجد بعد عام 1975م دعمًا شخصيًا (كتقديم أسلحة، وتدريب) عندما أسست الميليشيا العسكرية لحركة أمل". (4)
وكما تدربت ميليشيا أمل على يد"فتح"فقد كانت المنظمة تقدم خدماتها بهذه الصورة إلى ما هو أكبر وأوسع من دائرة أمل. فقد وسعت هذه الخدمة لتشمل النشاط الشيعي على مختلف الأصعدة، وكأنهم يقولون لهم: هكذا تذبحوننا !!
"فحين عهد الشاه إلى جعفر شريف إمامي بتشكيل حكومة في صيف 1978م، عاد مئات من دعاة الكفاح المسلح الذين أُعِدُّوا بلبنان إلى إيران، وكان منهم ممثل الخميني لدى جبهة التحرير الفلسطينية آية الله علي جنتي الذي عمل في منظمة"فتح"، وابن آية الله محمد منتظري، المدعو "زينغو" لحمله على الدوام مسدسًا في وسطه، وعشرات من حركة"أمل"التي كان منها بعض حرس الخميني الشخصي. وكان من الذين تدربوا في المعسكرات الفلسطينية، وفي معسكرات حركة"أمل"بلبنان، مصطفى وأحمد، ولدا الخميني نفسه، وأتمّ ما لا يقل عن سبعمائة عضو من حزب الدعوة ـ حتى عام 1976م ـ تدريبهم على أيدي فلسطينيين من"فتح"، بينما زار ياسر عرفات في هذه الأثناء الخميني بالنجف مرتين". (5)
وكان من أبرز من تدرب على يد"فتح"أول وزير دفاع للثورة الإيرانية مصطفى شمران الذي كان له دور هام في حركة أمل ، (6) كما تدرب كذلك مقاتلو منظمة"مجاهدي الثورة الإسلامية"الذين ناضلوا ضد الشاه لسنوات عديدة ، (7) وأول وزير للحرس الثوري الإيراني محسن رفيق دوست. (8)
وعندما وجد الصدر من جماعته القوة التي تستطيع أن تواجه المنظمة ـ التي دربته ـ قلب لها ظهر المجن؛ فبعد أن اشتعلت الحرب المدنية اللبنانية بدأ الصدر يغير موقفه بشكل واضح من المنظمات الفلسطينية، وقد نقل عنه كلمات قاسية جدًا ضدها، قالها ـ قبل أن يختفي ـ لأحد رجال السياسة الموارنة القريب من الطلائع المارونية:"إن المقاومة الفلسطينية ليست بثورة، إنها لا تقبل البرهان على قضيتها بالشهادة."
(1) من نص ميثاق حركة أمل، انظر: أمل والشيعة، نضال من أجل كيان لبنان، ص 231، وعبد الله الغريب، أمل والمخيمات الفلسطينية، ص 157.
(2) انظر هذه التسمية عند باتريك سيل في كتابه: الأسد، الصراع على الشرق الأوسط، دار الساقي، ط 2/1989م.
(3) انظر حوار نبيه بري مع مجلة الوسط، العدد: 274/28/4/1997م.
(4) يان ريشار، الإسلام الشيعي، 200.
(5) وضاح شرارة، دولة حزب الله، ص 109.
(6) انظر: الحرس الثوري الإيراني، نشأته وتكوينه، ودوره، كينيث كاتزمان، ص 46.
(7) المصدر السابق، 52، 53.
(8) المصدر السابق، 52، 53.