فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 78

إن هذه مكنة عسكرية ترهب العالم العربي؛ فمع السلاح يحصل عرفات على المال، وبواسطة المال يمكنه أن يغذي الصحافة، وبفضل الصحافة يستطيع أن يجد آذانًا صاغية في الرأي العالمي. إن المنظمة (فتح) عامل اضطراب في الجنوب، وقد نجح الشيعيون بالتغلب على عقدة نقصهم تجاه المنظمة الفلسطينية". (1) "

في الوقت ذاته كان الصدر لا يريد أن يفقد علاقته مع حلفائه من الموارنة في السلطة الحاكمة، فأعلن أن"أمل"عون ومدد للجيش اللبناني في الجنوب في التصدي للهجمات الإسرائيلية!! وبهذا الفعل حصل الصدر على عدة مكاسب:

1 ـ اكتساب شرعية لميليشياته من الدولة اللبنانية، وعدم خسارة العلاقة معها.

2 ـ إضعاف سلطة الفلسطينيين في الجنوب بوجود قوة أخرى"لبنانية"مشتركة، وكان التعاون بينهم في هذا الجانب واضحًا. (2)

3 ـ كان هناك كذلك مكسب هام ـ وإن كان إعلاميًا ـ وهو الادعاء بأنه ما زال يدافع عن القضية الفلسطينية، وها هي قواته تقاتل في الجنوب ضد العدو الصهيوني، وهو ما اعتبره الصدر انتزاعًا لانفراد المنظمات الفلسطينية بالمواجهة؛ وعليه فقد تم التفريق بين القضية الفلسطينية وبين مواجهة الفلسطينيين.

الخروج إلى بيروت

بعد هذا الاستقواء الذي تم للحركة طالب الصدر أتباعه في خطاب جماهيري باحتلال القصور في بيروت، واعتبر الشيعة ذلك نداءًا مقدسًا، واحتلوا من بيروت مناطق"أهل السنة"وقصورهم. يقول عبد الله الغريب:"ويغلب على ظني أن استيطان الشيعة في بيروت في الستينيات الميلادية ـ من القرن العشرين ـ وقبلها كان عفويًا، أما بعد الستينيات فكانت أهدافهم واضحة، وكان موسى الصدر مهندس هذه الخطة ومن ورائه النهج النصراني، ومن الأدلة على ذلك أن العمال والموظفين القادمين من الجنوب والبقاع والشمال كانوا يبنون منازلهم في جنوب بيروت على أملاك الغير، وكان ذلك يحدث تحت سمع السلطة وبصرها، بل وكان أصحاب الأراضي من أهل السنة يطالبون الأجهزة المسؤولة بوضع حدٍّ لهذا العبث، ورغم ذلك فالسلطة تترك قُطَّاع الطرق يفعلون ما يشاؤون."

ولو كان هذا الذي يحدث في بيروت الشرقية أو في أي منطقة من مناطق النصارى لما صمت قادة الموارنة لحظة واحدة.

وتضاعفت هجرة الشيعة خلال الحرب اللبنانية أضعافًا مضاعفة، واحتلوا المنازل والشقق والقصور كما أمرهم إمامهم، والسلطة تحرضهم وتشجعهم على مثل هذه الأفعال الشنيعة. وهكذا قامت أحياء في الضاحية الجنوبية وكأنها أحياء مقتطعة من بعلبك، وأح ياء أخرى وكأنها مقتطعة من صور أو النبطية، وفي هذا الحي يقطن نبيه بري، وفي ذاك الحي حسين الحسيني رئيس المجس النيابي وأمين عام منظمة أمل ـ سابقًا ـ، وفي الحي الثالث عبد الأمير قبلان المفتي الجعفري الممتاز.

ويضاف إلى ما سبق ذكره أن المغتربين الشيعة الذين يعملون في الخليج أو إفريقيا أو الأمريكتين راحوا يشترون الأراضي في بيروت، ويقيمون المؤسسات والمشاريع الاقتصادية في العاصمة، وأصبحوا من أصحاب الفاعليات الاقتصادية فيها.

وعندما سأل الصحفيون نبيه بري عن الأسباب التي دفعته إلى احتلال بيروت الغربية أجاب: بيروت الغربية عاصمة لبنان وملك لجميع المواطنين وليست حكرًا على أهل السنة". (3) "

"ونزل النازحون الشيعة في الأحياء التقليدية للسنة، واشترى ميسورون من الشيعة أقسامًا من هذه النواحي، فآلت السنوات العشر من 1976م إلى 1986م وحتى أوائل التسعينيات الميلادية، إلى تغيير سكاني كبير نزع الصفة السنية عن بعض أحياء بيروت القديمة، وغلب عليها السكان الشيعة". (4)

"كما شاع في وسط المهجَّرين الخروج عن القوانين العامة وعن الأعراف، مثال ذلك: أن 88% من الـ 4400 مبنى التي أحصاها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بالرمل العالي والأوزاعي وشاتيلا والجناح، وهي من نواحي الحركة الإسلامية"الخمينية"، شيّدت في الأملاك العامّة أو في أملاك الغير (اغتصبت عنوة) ، وهذه الحال استمرت على الوجه نفسه إلى العام 1996م، ولن تتغيّر إلا إذا أنجز ما يسمّى مشروع"اليسار"وبناء هذا الجزء من ضواحي بيروت بناءًا جديدًا في نصف العقد الآتي، ومع استهلال الألف الثالثة، فإن ما يقرب من 20% من المقيمين ببيروت الغربية كانوا فيها منذ العام 1986م واستمر معظهم على حاله إلى 1995 ـ 1996م يقيمون في منازل تسلّطوا عليها واحتلّوها احتلالًا 14%، أو ينزلون مؤقتًا ببيوت يملكها أقارب أو أصحاب 5.8%". (5)

(1) فؤاد عجمي، الإمام المستتر، ص 178.

(2) راجع في ذلك: أمل والمخيمات الفلسطينية لعبد الله الغريب، وراجع: حرب الألف عام في لبنان، جوناثان راندال، ترجمة فندي الشعار، دار المروج، 1984، ص 33.

(3) عبد الله الغريب، أمل والمخيمات الفلسطينية، ص 155، وانظر فصليْ: دول الجماعات، وبناء المعقل الإسلامي في كتاب: دولة حزب الله لشرارة.

(4) دولة حزب الله، ص 234.

(5) دولة حزب الله / 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت