فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 78

وتشير القرائن إلى أن هذا الاحتلال الإسكاني كان ثمرة إعداد وتصميم، ولم يكن خبط عشواء. (1)

وهكذا تظهر صورة من صور العلاقة بين الشيعة وأهل السنة في لبنان ولا نحسب أنها صورة مشرقة كالتي يتغنى بها الشيعة ويدغدغون بها مشاعر الناس البسطاء عبر ملاليهم وسياسييهم؛ فهذا الذي حدث في بيروت لا ينم عن نوايا حسنة لطلب حُسن العشرة.

غياب الصدر

وصل الصدر إلى ليبيا مع اثنين من رفاقه هما الشيخ محمد يعقوب، وشفيع عباس بدر الدين في 25 أغسطس عام 1978م في زيارة غير محددة المدة والغرض. وقد صرح أحد رفاق الصدر القريبين منه بأن الزيارة كانت استجابة لدعوة من الزعيم الليبي معمر القذافي، وقَبِل الصدر هذه الدعوة على أساس أنها سعي نحو تحقيق السلام في لبنان. وكثرت الروايات حول أسباب اختفاء الصدر، ولعل من أبرز الأسباب ما تمحور حول مسألتين:

الأولى: طموح الصدر؛ فقد سُئل علي الجمَّال، وهو أحد المقربين لموسى الصدر، ومن كبار ممولي حركته بالمال والسلاح، سُئل عن طموح الصدر فقال: أما طموحه فكان الوصول إلى الأمانة العامة للطائفة الشيعية في العالم. (2)

الثانية: وهي نتيجة للأولى وسبب مباشر لها؛ حيث إن هذا الطموح لم يكن خافيًا على الخميني مما اعتبره منافسًا قويًا وخطيرًا له؛ كما أشار بذلك الخبراء والقريبون من مصادر المعلومات الجيدة. (3)

على الرغم من أن الغموض الذي يحيط باختفاء الصدر لا يزال قائمًا فإن هذا الاختفاء شكل أهمية رمزية لحركة أمل؛ فقد ارتفع الصدر إلى مرتبة الشهيد القومي عند العديد من الشيعة اللبنانيين، وتصدرت صوره افتتاحيات صحف أمل، كما أعيد طبع خطبه وتعليقاته مصاحبة بصوره، وأطلق أعضاء الحركة على أنفسهم ـ من حين لآخر ـ"الصدريين"وارتدى معظم الشباب الصغير في الحركات قلادات وأزرارًا وقمصانًا عليها صورة الصدر، وكان من الطبيعي أن يصل الصدر إلى هذه الدرجة، خاصة في مجتمع ليس له من الرموز المعاصرين إلا العدد القليل. لقد حقق اختفاء الصدر فوائد عدة لحركة أمل؛ فقد وجد العديد من الشيعة في"الإمام المختفي"رمزًا ملزمًا للتعبير عن عدم الرضا الذي يشعرون به، وقد أكمل اختفاءُ الصدر هذا المزاجَ السياسيَّ للشيعة وغزَّاه، وكان وسيلة ملائمة للتعبير عبر الحركة التي خلفها وراءه. كما أن هناك بعضًا من قادتهم من يسلِّم بأن اختفاءه كانت له قيمة كبيرة في التعبئة السياسية لجماهير الشيعة لم يكن يحققها وجوده ذاته، كما أدى أيضًا إلى قلة حدة الانتقادات التي توجه للحركة بسبب تبجيلها لذكراه واعتباره رمزًا لها. (4)

وهكذا فقد حقق اختفاء الصدر هدفين في وقت واحد: التخلص من طموحه، وإعطاء دفعة معنوية لحركة أمل إلى حين.

كمون"حزب الله"

كان محمد حسين فضل الله في ذلك الوقت يمارس دوره بهدوء بعيدًا عن ضوضاء الصدر وحركته، وكانت عناية فضل الله ـ كما ذُكر قبل ـ متوجهة إلى التربية المنهجية لإعادة العِلم الإمامي الديني وتوطينه وتطويره، ولم تكن تلك المهمة لتمتد أكثر من ذلك؛ فقد بدأ الزرع يُخرج بعض الثمار، فبدأ"أبناء فضل الله"بالانتشار في نسيج المجتمع اللبناني، ومد أذرعهم في جنباته، وبالرغم من هذه الخطوة إلا أنهم لم يستطيعوا الإعلان عن هويتهم؛ إذ ما زال فيهم من الضعف ما يمنعهم من ذلك، فكان لا بد من الاحتماء بـ"أمل".

"فكانت الحركة الصدرية واقية لأنصار الدعوة والإسلاميين الخمينيين في حال ضعفهم، وحتى إعلانهم الاستقلال السياسي والعسكري، إلا أنهم في هذه الأثناء كانوا يعملون عملًا حثيثًا على بناء النواة التي في مستطاعهم إنشاء معقلهم حولها. فاتخذ محمد حسين فضل الله من مسجد الإمام الرضا ببئر العبد جامعًا ومدرسة ومنبرًا ومجلسًا ومكتبًا، وأقام قريبًا منه، ولم ينتقل وحده إلى بئر العبد، بل انتقلت معه جمعية أسرة التآخي التي رعت بناء الحسينية بالنبعة، فتملكت مكتبًا قرب المسجد، ورعت مستوصفًا في الناحية نفسها."

(1) المصدر السابق، ص 113.

(2) حوار مع مجلة الشراع اللبنانية، العدد: 898، 6/9/1999م، بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين لاختفاء الصدر.

(3) انظر: الصدر ودوره في حركة أمل، ضمن حلقات: الإسلام والكونجرس الأمريكي، مجلة المجتمع، العدد: 957، ص 47.

(4) راجع أمل والشيعة، ص 97 ـ 103، والمصدر السابق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت