فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 78

إذا أراد شخص ما أن يحقق لعمله الهدوء والاستقرار، والأشخاص المحيطيون به لا يوفرون له ذلك، بل لا يريدون له ذلك، فلا بد من التفكير والسعي لأن يصنع لهم شيئًا يشغلهم عنه ويلتهون به، وهذا ما فعلته إيران بعد ثورتها."فقد اعتبرت إيران تصدير الثورة ومساندة حركات المعارضة الراديكالية ـ خاصة ذات التوجه الإسلامي وبالذات الشيعة منها ـ في الدول المجاورة أسلوبًا لهذا الهجوم الوقائي مستغلة البريق الأيديولوجي للثورة في سنواتها الأولى، كما هدفت من وراء ذلك إلى استخدام العامل الإسلامي الثوري من منطلق أنه عامل توحيدي إقليمي في مواجهة العامل القومي العربي؛ فالوضع الأمثل لريادة إيران ـ إن لم نقل زعامتها ـ على المستوى الإقليمي هو نظام إقليمي إسلامي وليس قوميًا عربيًا. ومن ثَمَّ توظف إيران دعمها للحركات الإسلامية خارج حدودها ـ حتى ولو كان معنويًا وإعلاميًا فقط ـ في علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية بما يخدم أهداف سياستها ومصالحها الخارجية، ويلهي الحكومات المعادية لها عن محاولة التدخل في شؤون إيران الداخلية، واكتفائها بالحد من دور الجماعات الإسلامية لديها، وبما يحفظ الزخم الثوري في الداخل الإيراني."

ومنذ بداية انتصار الثورة الإيرانية عام 1979م، طالب التيار الداعي لتصدير الثورة باعتبار تصدير الثورة إحدى سبل حمايتها في الداخل، وبعدم الاكتفاء بالدعاية الخارجية للنموذج الإيراني بل بتقديم مساعدات ودعم لقوى سياسية خارج إيران، وخاصة القوى الراديكالية المعادية للنظم القائمة في العالم الإسلامي لإنشاء حكومات على النمط الإيراني.

وقد طالب الخميني منذ البداية بتكرار ثورة إيران في البلدان الإسلامية الأخرى على سبيل أن يكون ذلك خطوة أولى نحو التوحد مع إيران في دولة واحدة يكون مركزها إيران في المواجهة مع من أسماهم بأعداء الإسلام في الشرق والغرب. والتزم بتدمير من أسماهم بالأنظمة الفاسدة التي تقمع المسلمين واستبدالها بما اعتبره حكومات إسلامية، كما ربط بين تصدير الثورة وبين مواجهة الإمبريالية وتحرير فلسطين. ورأى للثورة الإيرانية دورًا عالميًا لمساندة المحرومين عبر العالم، واعتبر صراحة أن الدولة الإسلامية في إيران ستمثل قائدًا للمستضعفين في الأرض، وأكد ضرورة تصدير الثورة لكل مكان؛ لأن الإسلام يدافع عن الشعوب المستضعفة ولا يعترف بالحدود بين البلدان الإسلامية. وتعهد الخميني بتصدير الثورة الإيرانية إلى كافة أرجاء الأرض، بل وعدّ ذلك ضمن واجبات الثورة الإيرانية، وأضفى على رؤيته قدرًا من الواقعية عندما ذكر أن عدم تصدير إيران لثورتها سيضعفها أمام أعدائها.

وقد اتفقت معظم الأدبيات الثورية الإيرانية منذ عام 1979م على تصنيف حكام معظم البلدان الإسلامية ـ مثلهم مثل دول الغرب ـ بأنهم يمارسون"الاستكبار"ضد شعوبهم، وحثت هذه الشعوب على التخلص من حكوماتها التي تخدم ـ حسب الرؤية الإيرانية ـ مصالح أعداء الإسلام. وركزت هذه الأدبيات على إبراز النموذج الإيراني بوصفه النموذج الثوري الإسلامي الوحيد، ومن هنا فهو ملزَم بمساندة الحركات الإسلامية في بقية أنحاء العالم الإسلامي، مما يجعل تصدير الثورة واجبًا دينيًا وليس مجرد هدف سياسي يتمثل في جعل علاقات إيران الخارجية مع الشعوب وليس مع الدول، ويتطلب من إيران تقديم مساعدات مالية وعسكرية بالإضافة إلى التدريب العسكري والتلقين العقائدي لهذه الحركات، وعدم الاكتفاء بالدعاية الخارجية للثورة.

وقد جسد الحزب الجمهوري الإسلامي ـ الذي سيطر على الحكم في إيران منذ إقصاء الدكتور أبو الحسن بني صدر عن رئاسة الجمهورية في يونيو 1981م، حتى حل الحزب عقب نهاية الحرب مع العراق ـ نظرية تصدير الثورة. بل إن بعض الناس اعتبر الخلاف بين الحزب وبين الدكتور أبو الحسن بني صدر أول رئيس لجمهورية إيران هو ـ في أحد أبعاده ـ خلافًا بين المفهوم الوطني للإسلام وحركة الإسلام العالمية. فاعتبر الحزب نفسه ـ في برنامجه الأساس ـ حزب المسلمين في كافة أنحاء العالم وليس في إيران وحدها، وذكر برنامجه أن عالمية الثورة الإسلامية ومبدأ تصدير الثورة وجهان لعملة واحدة، وبذلك حدد مهمة إيران الثورة في إنقاذ المسلمين والبشرية بأجمعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت