فهرس الكتاب
هناك قاعدة هامة يجب الالتفات إليها وهي: أن معيار الظهور السياسي الشيعي في لبنان مرتبط ارتباطًا وثيقًا بإيران ومطالبها في لبنان، وذلك حسب الخيارات والأهداف المرحلية التي تنتهجها. (1)
ولقد كان استخدام إيران لبري بعد الصدر (2) لعدة اعتبارات:
1 ـ كان هناك إقرار وموافقة من قِبَل"الفقهاء"أصحاب السلطة الحقيقية، لبري ومنهجه والدور الذي سيؤديه، وإلا لما كان له وجود ابتداءًا باعتبار اليد الطولى للملالي.
2 ـ أن الواقع الطائفي اللبناني أفرز عددًا من الشخصيات شديدة التعصب لمذهبها، وإن لم تكن"متدينة"في سلوكها، وكان بري من تلك النماذج، وهو ما تقتضيه المرحلة.
3 ـ هذه المرحلة تحول فيها الشيعة إلى العمل المسلح الظاهر، وأضحى هدفهم بالتخلص من الفلسطينيين"السُّنَّة"معلنًا، وكان من الصعب أن تلصق المذابح التي أعدوا لها وقاموا بها بأحد الآيات أو الحجج، كيف ذلك وهم ينادون بالتقارب مع أهل السنة وإزالة الحواجر، وعندما وقعت ألصقت بـ"علمانيي"المنهج. وعلى ما سبق فالود باق مع بري، كما لا نُغفل هنا عقيدة"التقية"التي هي من أصول دين الإمامية، وعليه فيبقى أن الأدوار توزع حسب الحالة، وليس أدل على ذلك من البيان الذي صدر في 8/10/1983م؛ حيث أعلن عبد الأمير قبلان ـ المفتي الجعفري الممتاز ـ باسم المجلس الشيعي الأعلى ما يلي:"إن حركة أمل هي العمود الفقري للطائفة الشيعية، وإن ما تعلنه (أمل) نتمسك به كمجلس إسلامي شيعي أعلى، ومن ثَمَّ فإن ما يعلنه المجلس الشيعي تتمسك به الحركة". (3)
وجاء هذا الإعلان بعد البيان الذي أذيع في 27/2/1983م من أن حركة أمل لم يعد لها علاقة بالمجلس الشيعي الأعلى!!
4 ـ جاء هذا التأييد ـ السابق ـ للحركة بعد الانشقاق الذي خرجت به"أمل الإسلامية"وبعد"الحضور الفعلي"لحزب الله على أرض الصراع.
5 ـ كان للسياسة الإيرانية في لبنان خطان تستعملهما في تحقيق أهدافها:"خط أول: يتلمس سبل طي الحرب المستمرة والمقيمة ولو من خلال التفاوض مع ممثل"القوات اللبنانية"، وفي رعاية وسيط أمكنه من القيام بالوساطة احتلالٌ إسرائيلي يطوِّق بيروت والقصر الجمهوري،ويلقي بثقله على الجنوب وعلى الجبل. وخط آخر: رأى في الاحتلال وفي ما حفَّه من أدوار سياسية ودبلوماسية أمريكية وأوروبية وعربية ذريعة إلى تجديد الحرب، وإلى اختبار الاستراتيجية الإيرانية في ميدان غير إيران. وبينما أملت الخط الأول عصبية شيعية لبنانية حفظت من الروابط المحلية والعالمية ومن اعتدال النخبة الصدرية الأولى ـ حركة أمل ـ قسطًا كان لم يزل فاعلًا، فقد أملت الخط الثاني نزعة إلى توسيع النزاع، وإلى تأجيجه وتوجيهه وجهة ضم جبهة لبنان إلى جبهة الخليج والجبهات الإقليمية المشرقية، وإلى استدراج القوى الغربية التي تلعب دورًا راجحًا في النزاع الإقليمي، ولو من غير الاشتراك في الاشتباك مع المجابهة المباشرة". (4)
ونختم هنا بكلام لحسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله. يقول:"إننا حريصون على علاقة طيبة مع"أمل"ونحن نعمل على تطوير هذه العلاقة، وهناك لجنة ثنائية من أحد قادة"أمل"مع أخيه في حزب الله ينظرون في كل الأمور المشتركة سياسية وعسكرية، وسياستنا تقول: إن الموضوعات التي نتفق عليها نتعاون معًا، وما نختلف عليه لا يؤدي الخلاف في وجهة النظر إلى نزاع، حتى الخلافات تم تنظيمها، الطابع العام لعلاقتنا الإيجابية والتنسيق والتعاون، وقبل أسابيع حضرت لقاء مع الرئيس"بري"لتثبيت هذه الصيغة وتفعيلها". (5)
وبهذا يتضح أنه لم يكن هناك إبعاد كبير للحركة بقدر ما هو زحزحة من الصورة"العسكرية"والمواجهة إلى الساحة"السياسية"واستبقاؤها لأدوار أخرى تتوافق والمتغيرات السياسية لإيران وملفاتها في لبنان.
ثورة تحمي الثورة
(1) راجع: آ. ر نورثون، لبنان: الصراع الداخلي والارتباط بإيران، ص 116 ـ 137 عن الإسلام الشيعي، ص 211.
(2) شغل حسين الحسيني منصب الأمانة العامة لحركة أمل بعد غياب الصدر إلى أن تولى بري عام 1980م.
(3) أمل والمخيمات، 184.
(4) دولة حزب الله، ص 118ـ 119.
(5) حوار أجرته مجلة المصور المصرية في شهر مارس 1999، ونشرته مجلة المقاومة في العدد: 40/إبريل/ 1999م، ص 26.