فهرس الكتاب
اطَّرح"الإسلاميون"هذه الطريقة من غير مواربة ولا تأخر، فقدَّموا على سائر المهمات والأعمال مهمة الحؤول بين الأبنية السياسية والإدارية اللبنانية وبين انتزاع الاعتراف بشرعيتها من جديد. والسبب في ذلك أن مثل هذا الاعتراف يحكم على الإسلاميين، بالخروج على الشرعية، وعلى ما هو مُجمَع عليه، ويدينهم بعرقلة مسيرة السلم والعودة إلى الحياة السياسية الآمنة. وأعدت الإسلاميين لهذا المنهج عواملُ كثيرة، منها: أنفتهم من تناول الأمور تناولًا وطنيًا ومحليًا، ومنها بروز الوجه الإقليمي والدولي للحرب الإيرانية العراقية، واختبار قادة طهران جدوى التعبئة الجماهيرية عسكريًا وسياسيًا وانتقالهم بعد ربيع وصيف 1982م إلى مرحلة الهجوم، وسعيهم إلى انتزاع مكاسب إقليمية ثابتة في نهاية هجومهم المأمول. ولم يكن خافيًا أن استقرار أبنية الدولة اللبنانية ناتج المساعدة الأمريكية والأوروبية التي تحوط هذه الأبنية، وترعى ذراعها المسلحة، وتحول بين القوى الإقليمية والمحلية وبين بعثها الأحزاب التي تسعى إلى تقطيع جسم الدول. ولما كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تقف عائقًا دون إحراز القوات الإيرانية انتصارات عسكرية في حربها مع العراق، تحالفت ا لسياسة الإيرانية والسياسة السورية (1) والمصالح المحلية على ضرب القوة الأوروبية والأمريكية وإحباط الانتصارات الإيرانية معًا. وضربُ مثل هذا الغرض ـ القوات المتعددة الجنسية ـ كفيل إذا ما أفلح بحرمان الدولة اللبنانية الرعاية التي لا قيامة لها من دونها، وبإباحة لبنان أرضًا ومجتمعًا للمعاقل المختلفة، وهو كفيل أيضًا بإطلاق اليد السورية في لبنان، وبتعويض التراجع الذي منيت به القوات السورية في صيف 1982م، وبمد جسر إيراني إلى قلب المشكلات العربية يحول دون تأليب الإسلام العربي"السني"عليها، وتحويل إيران إلى قوة عربية عن طريق محاربة القوات الإسرائيلية والعلاقة بالمنظمات الفلسطينية على أرض دولة عربية. لذا أعدت القيادة الإيرانية العدة قبل أي شاغل آخر لاستعادة الضواحي الجنوبية من بيروت التي ترنو إلى أن تكون معقلًا لها، وانتزاعها من أيدي الجيش اللبناني. ومثل هذه الاستعادة ما كان لها أن تتوطد وتتمكن لولا حمل القوات المتعددة الجنسية ـ وعلى رأسها القوات الأمريكية ـ على التخلي عن مهمتها المفترضة، لذا حل هذا العمل ـ أي حمل القوات المتعددة الجنسية على ترك لبنان ـ مكانة رفيعة في تاريخ الخمينيين المقدس، واضطلع بدور كبير في رسم نهجهم وطريقتهم، فإقدام رجلين (أو أكثر) على مهاجمة بناءين مكتظين بالجنود الأمريكيين والفرنسيين صبيحة 23/10/1983م، وسقوط ثلاثمائة قتيل ونيف من جراء هذا الهجوم ، (2) وانقلاب القوات المتعددة الجنسية إلى موقف الدفاع والتوقي، وإقلاعها عن حماية الدولة اللبنانية قبيل انسحابها، كل هذه جاءت مصدقة في الظاهر لمذهب مرشد الثورة الإيرانية الأول". (3) "
(1) راجع مسوغات التحالفات الإيرانية، مبحث"بين طهران ودمشق"وما بعده، ص 173.
(2) راجع تفاصيل العمليات التي قام بها حزب الله ضد الأهداف الأمريكية والفرنسية بمساندة الحرس الثوري، د. سعد أبو دية، دراسة تحليلية في العمليات الاستشهادية في جنوب لبنان، ط 1، 1407هـ.
(3) دولة حزب الله، 231 ـ 232، 269، 271 بتصرف.