فهرس الكتاب
ويعني هذا الأمر، بعبارة أخرى، وفي ضوء الثورة الإسلامية الإيرانية وتجربتها يومذاك، أن الحرب وحدها في مستطاعها أن تظلل إنشاء المعقل الإسلامي، وأن ترد عنه غائلة حياة اجتماعية وسياسية وثقافية مستقرة، لذا كان الإسلاميون الشيعة ذوو الهوى الإيراني والخميني في الصفوف الأولى من كل أعمال الكر والهجوم على"العدو العام": على القوات الإسرائيلية، وعلى الوحدات الأمريكية والفرنسية، وعلى"القوات اللبنانية"، وعلى الجيش اللبناني، وعلى المواطنين اللبنانيين المسيحيين والمواطنين الأجانب، وعلى"جيش لبنان الجنوبي"، وعلى السفارات الأجنبية والعربية، وعلى القوات الدولية، وعلى بعض المواطنين اللبنانيين المسلمين الذين يخالفون الشيعة في الهوى والمشارب، وعلى المراقبين السوريين الذي سبق قدومهم الانتشار السوري في بيروت أواخر شباط 1987م، وعلى مسلحي"أمل"بالضاحية الجنوبية في صيف 1988م، وعلى المسلحين الفلسطينيين المتحالفين مع"أمل"في حروب المخيمات الطويلة (1985 ـ 1990م) فهؤلاء كلهم، الذين كانوا أو ما زالوا هدفًا لأعمال الخمينيين الحربية، تسهم حربهم في إنشاء الجيب الإسلامي الإيراني وفي إطالة الأمد الذي يحتاج إليه أصحابه من أجل إرسائه على أسس يظ نونها ثابتة. فإلى الدور الذي تضطلع به هذه الحرب الكثيرة الوجوه في الوصول بمآرب السياسة الإيرانية إلى غاياتها الإقليمية والدولية، تضطلع بدور آخر لا يقوم الدور الأول إلا به، وهو تشييد أبنية المجتمع الإسلامي الذي تتعهده ولاية الفقيه ويتعهده وكلاؤه، ونواة هذه الأبنية"الشخصية الإسلامية التامة"،وهذه"الشخصية"تعد في المدارس والحوزات، بديهة ـ وهي بديهة من بدائه الإمامية ـ وتعد في هيئات تطيف بحياة"الملتزم الرسالي"من كل جهة، قبل أن تضعه في اللحد، وترعى ذكره وأولاده، وتسوق روحه وتضعها بين يدي صاحب الزمان أو نائبه". (1) "
الفصل الرابع:
فدائيون أم .. عملاء؟
في الوقت الذي كانت إحدى مجلات اليسار الثوري المتطرف تتوب فيه من اليسار، والثورة والتطرف، أوردت مقالًا بعنوان: حزب الله.. فدائيون أم عملاء؟ ووصلت كاتبة المقال في نهايته إلى أنهم عملاء !! (2)
في الوقت ذاته لم تمنع أُخُوة المذهب أحد الكتاب أن يطلق على حزب الله لقب"خدم للأسياد" (3)
وتلطف بعض الكتاب وأطلقوا عليهم.. الوكلاء (4)
بل إن أمينه العام اعتبر الحزب.. ورقة وأداة !! (5)
في جميع الأوصاف السابقة إشارات واضحة باتهامات وإدانات لحزب الله، وهنا لن نتبنى وصفًا معينًا مما سبق، ـ وإن صدرنا واحدًا منه ـ ولكن سنعرض تفاصيل الاتهامات وما يتعلق بها، ثم نترك القارئ يجيب على هذا السؤال.
ومع النظر إلى الخدمات التي يقدمها حزب الله لعامة الشيعة في لبنان، ومع حجم المبالغ المالية الضخمة التي تنفق على هذه الخدمات، والتي ينفقها الحزب على الجهاز العسكري، ومع النظر كذلك إلى سياسة الحزب تجاه إيران وتجاه سوريا، ونظرة الحزب إلى العالم، من خلالها سندرك بلا شك إجابة السؤال.
هل كان الإحسان خالصًا؟
"إننا يمكن أن نأتي بالتغيير في لبنان بتعليم الشعب وتنويره داخل المؤسسات الاجتماعية". (6)
"إن قوتنا تكمن في قدرتنا على صنع الناس والجماهير، وعلى أن نضع أوامرنا موضع التنفيذ، إنهم ينفذون أوامرنا؛ لأنهم يعرفون أننا أقرب الناس إلى تحقيق مطالبهم". (7)
بهذه الكلمات الموجزة يبين محمد حسين فضل الله، الزعيم الروحي لحزب الله إحدى الوسائل الهامة التي يسعون من خلالها إلى تحويل لبنان إلى دولة شيعية، أو على الأقل مجتمعًا شيعيًا، فلم تقتصر وسائل التغيير لدى"حزب الله"على نمط واحد، بل تعددت وتشعبت في أركان لبنان، وكل وسيلة تغرس غرسًا وتجني ثمرًا.
وكان للخدمات الاجتماعية التي يقدمها"حزب الله"دور كبير في ترسيخ القناعة بأحقيته بأن يكون صوت العشيرة وراعيها الساهر على راحتها، الساعي إلى قضاء حوائجها، في وقت تقطعت فيه أوصال المجتمع اللبناني، وانهارت مؤسساته بعدما حل بالبلد ما حل.
وفي الوقت الذي سعى فيه حزب الله لأن يكون رأس الحربة في الساحة اللبنانية، وفي مقدمة الطائفة الشيعية، كان لا بد من النظر إلى عامة الشيعة نظرة تشعرهم بالاهتمام بهم، والسعي لرفع الفقر والحاجة التي طالما عانوا منها، فكان للحزب سعيان: سعي بالسلاح، وسعي بالإحسان؛ فالمبادئ والمثل والحقائق تبقى عند كثير من الناس بلا تأثير إن لم يروا لها أثرًا حيًا يتحرك بها في واقعهم.
(1) انظر دولة حزب الله/121 ـ 122.
(2) روز اليوسف، د. فاطمة سيد أحمد، العدد: (3685) 25/1/1999م.
(3) وضاح شرارة، دولة حزب الله، ص 335.
(4) أحمد خالدي، حسين ج.آغا، سوريا وإيران، تنافس وتعاون، ص 135.
(5) حسن نصر الله، جريدة الأنباء، العدد: 8331، 14/2/1420هـ.
(6) قراءة في فكر زعيم ديني لبناني، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 954، ص 43.
(7) المصدر السابق، العدد: 958، ص 50.