فهرس الكتاب
ولم يكن هذا الإحسان خالصًا كله؛ فقد كان فيما يرمي خلق جبهة خلفية تتبنى الدفاع الأدبي والمعنوي عن الحزب، كما أنها تمثل المدد البشري الذي يدين بالولاء والطاعة، فليس جزاء الإحسان إلا الإحسان.
دور المؤسسات الاجتماعية وهدفها
في الوقت الذي خسرت فيه كثير من الحركات السنية كثير من عامة الناس لإخفاقها في توجيه الخطاب المناسب لها، وتقديم الرعاية الاجتماعية، بل إن من هذه الحركات من ناصب عامة الناس العداء واعتبرهم"جاهليين"في الوقت ذاته نرى هنا تجربة الرعاية الاجتماعية التي قدمها حزب الله، وكيف كان لها أثرها في تثبيت أقدام الحزب، وبرغم الموقف الواضح هنا من الحركات الشيعية عامة، وحزب الله خاصة، فلا يُظن أن هذا الكلام ذم مطلق للحركات السنية، وإنما إشارة إلى جزء من منهجها الذي لم توفق فيه للوصول إلى أحد ركائز الدعوة.
وإن كانت صور التجربتين غير متطابقة في مكوناتها وتطبيقاتها إلا أن النظر إلى التجارب التي حققت نجاحًا أكثر من الأخرى ـ في بعض جوانبها ـ لا شك أنه سيعود بالفائدة.
"تنهض المؤسسات الاجتماعية بالصلة بعامة الشيعة؛ فهي نظير:"المنظمات الجماهيرية"في الحركات الشيوعية خاصة. والمقصد منها إنشاء دوائر أوسع، وكلها تفترض علاقة وثيقة ومتينة لسياسة الحركة وعملها. إن الهيئات المختلفة تعمل على الإحاطة بكل وجوه الحياة الاجتماعية، وعلى إنشاء مجتمع نقيض للمجتمع العام والظاهر، فينبغي لمن تسميهم الحركة الشيعية الإيرانية"الملتزمين"تارة، و"المجاهدين"تارة أخرى، ينبغي إذن لجمهورها وأنصارها أن ينتقلوا من المهد إلى اللحد هم وأهلهم الصغار منهم والكبار من غير الخروج من مرافق"ذلك المجتمع"مهما كانت الذريعة، من تعليم وتريض واستشفاء وصداقة وزواج وقتال وعبادة، إلخ... وإذ يقول دعاة"حزب الله"وخطباؤه إن الإسلام إسلامهم وهو حركة شاملة، وذلك يقتضي أن من ألحّ مهامهم عليهم: استكمال إنشاء الجمهورية الإسلامية بقيادة الخميني". (1)
"وكان لاجتماع عوامل التهجير والإقامة المرتجلة وانكماش فرص العمل المستقر وتدني الدخل، أن انتشرت مؤسسات الرعاية الاجتماعية والإغاثة على نحو واسع. وأخذت هذه المؤسسات على عاتقها مهمات كثيرة: من مساعدات طارئة للمهجرين"بما في ذلك ترميم المنازل التي تضررت من جراء الحرب ـ إلى المساعدة الطبية وتوزيع الأدوية، ومن التعليم المهني إلى تأهيل المعاقين تأهيلًا جديدًا، ومن التأهيل الاقتصادي ـ قروض طويلة الأمد لمزارعين وحرفيين وتجار فقدوا مورد رزقهم ومعاشهم ـ، إلى إنشاء مساكن جاهزة ومساعدات مدرسية، وتولت اللجان والمؤسسات والهيئات والمنظمات، مهمات متفرقة في ميادين وحقول كثيرة، منها: معالجة الجرب، واكتشاف القمل، وتوزيع مساعدات غذائية، وإقامة معارض كتب، وإنشاء مستوصفات والقيام على خدماتها، وإصلاح أضرار من جراء النزاعات الداخلية، وإعداد دورات خياطة وتطريز، وتجريد حملات لمحو الأمية، وإعداد ممرضات، وتأهيل مشاتل وتوزيع شتول على المزارعين، وتعهد سياسة طب وقائي في المدارس، وتمكين الطلاب الأيتام والمعوزين من التعليم المهني والتقني، وتقديم منح طالبية، وتنظيف المدن من الردم، وإحصاء الأضرار والخسائر، ومساعدات نقدية دورية، وتوفير أطراف صنا عية، ورعاية المعاقين وتأهيلهم، وإعداد اختصاصيين في تدبير أمور الأطفال، واستيعاب المكفوفين والصم، ومساعدة مستشفيات على سد العجز في ميزانياتها، وتعليم الطباعة على الآلة الكاتبة، وشراء بطاريات قلب، وإجراء فحوصات مخبرية، وتدريس القرآن.
فلم يبق حقل من حقول الحياة الاجتماعية بعيدًا من يد المساعدة والإغاثة والتعويض والإحصاء والإرشاد. وسعت إمّا في جمع المساعدة والحث عليها أو في صرف المساعدات المتوفرة والهبات إلى المحتاجين". (2) "
وقد كان الاهتمام الشيعي بالخدمات الاجتماعية منذ بدايات النهضة الشيعية، فقد كانت خطوات موسى الصدر الأولى في لبنان أن أنشأ مدرسة الخياطة والتفصيل في عام 1963م، ومدرسة التمريض في 1969م، ومدرسة جبل عامل المهنية في 1969م، ومبرة الزهراء، ومستشفى الزهراء بعد ذلك. (3)
وكان من أبرز المؤسسات الشيعية التي قامت بأدوار اجتماعية بارزة:
مؤسسة الشهيد:
"فعلى نحو ما احتلت"مؤسسة الشهيد"بإيران مكانة رفيعة وتوسل بها الحكم وأجهزته إلى النفاذ إلى النسيج الاجتماعي والأسري وإلى دقائقه الصغيرة والخفية، عمل فرع المؤسسة بلبنان على الاضطلاع بالدور نفسه، ولا شك في أن حضانة"عوائل الشهداء الشيعة"ورعايتها، لبنة مهمة في السعي إلى رسملة العلاقة بالشاب الذي سقط في صفوف الحركة، وذلك من طريق ضمان معاش العائلة التي خسرت ولدها، وإشراكها في مرافق الحركة المختلفة ونشاط هيئاتها."
(1) دولة حزب الله، وضاح شرارة، ص 6ـ 8.
(2) المصدر السابق، 212 ـ 214.
(3) انظر: المصدر السابق، ص 85.