فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 78

ولا تزال فكرة الوحدة السورية اللبنانية محل حديث، وأخذ ورد حول الفكرة وأصولها وأهدافها التي تسعى إليها، وهل ما زالت كما هي؟ وهل الأهداف التي كانت ترمي إليها الفكرة القديمة"الهلال الخصيب"أو"سوريا الكبرى"كما هي بغير خلاف مع كثرة الاختلافات في لبنان . (1)

وبغضِّ النظر عن ذلك فإن لبنان يمثل أهمية استراتيجية كبيرة لسوريا.

وفي الوقت الذي بدأت مصر تستجيب للغزل الأمريكي الكيسنجري لتوقيع اتفاقية سلام مع"إسرائيل"كانت لدى سوريا رغبة في تحقيق السلام، والسعي إليه، ولكن كان كيسنجر و"إسرائيل"بعد توقيع اتفاقية سيناء الثانية لفصل القوات قد شكَّلا وضعًا عربيًا مناسبًا لهما وعلى هواهما، وكان الأمر الواقع الذي تمليه اتفاقية سيناء الثانية يعني أن تتضاءل سوريا لتصبح مجرد دولة ضعيفة أخرى على حدود"إسرائيل".

وهذا الوضع قد أصبح مقلقًا للقيادة السورية، وكان لا بد من البحث عن إطار يضمن لسوريا الهدوء إلى حين، ووجد الأسد هذا الإطار في إحياء فكرة"سوريا الكبرى".

فأصبحت بلاد الشام والمشرق ساحته الأساسية المثيرة لاهتمامه. إلا أن سوريا لكي تقاوم فقد كانت بحاجة إلى وزن وثقل وعمق استراتيجي وحلفاء. ومن هنا تمت إعادة إحياء فكرة قديمة تعود إلى ما قبل التمزيق الفرنسي ـ البريطاني لخريطة المنطقة، وهي الوحدة الجوهرية لسوريا الطبيعية مع وجود دمشق في مركزها البؤري. كانت بلاد الشام غلافه الواقي ونقطة ضعفه المحتملة في الوقت نفسه، فأصبحت الميدان الاستراتيجي الذي يجب عليه أن يناضل لتجميعه تحت سيطرته.

وإلى عام 1975م تعود إذن اهتمامات الأسد الشديدة المكثفة بكل جوانب وطوايا وزوايا السياسية الفلسطينية، وكل تحول في اتجاه سير أقدام الملك حسين النشيطة، وكل فصل من فصول العذاب اللبناني.

وكانت أول حركة دفاعية قام بها الأسد هي زيارة نادرة للبنان في مطلع عام 1975م للاجتماع بالرئيس سليمان فرنجية. وقد أحيطت هذه الزيارة لشتورا في البقاع بضجة إعلامية، وكانت تشير إلى جعل العلاقة أوثق بين سوريا وجارها في تلك الأوقات العصيبة.

كما كان عبد الحليم خدام المتابع السوري المباشر للشأن اللبناني منذ ذلك الوقت ولمدة عشر سنوات، حتى لقبه اللبنانيون بـ"الوالي"وكانوا يتذمرون من سياسته كثيرًا، وقالوا إن الحياة تحت إمرته أسوأ منها تحت الحكم الفرنسي. وبعد ثلاثة أشهر من اجتماع الأسد بفرنجية، وفي نفس اليوم من شهر مارس سنة 1975م الذي بدأ فيه كيسنجر عملية فصل القوات الثانية في سيناء، دعا الأسد منظمة التحرير الفلسطينية التي يترأسها ياسر عرفات للاشتراك مع سوريا في إقامة"قيادة موحدة"، وفي يونيو عندما اشتدت مغازلة كيسنجر للسادات ردّ الأسد باقتراح تشكيل قيادة موحدة أخرى مع حسين ملك الأردن هذه المرة. وفي 10/6/1975م قام بزيارة للأردن هي الأولى من نوعها يقوم لها حاكم سوري منذ عام 1957م، وأعلن تجدد روح التضامن المشرقي لبلاد الشام مؤكدًا أن"سوريا والأردن كيان واحد، وبلد واحد، وأبناء شعب واحد له آمال واحدة ومصير واحد"وبما أن حسين كان ساخطًا؛ لأن كيسنجر تركه خارج خطط السلام، ومعرضًا أكثر من الأسد للقوة الإسرائيلية، فقد ردد صدى هذه العواطف في زيارة لدمشق في شهر أغسطس، وتبع ذلك شهر عسل طويل بين سوريا والأردن.

ولم يتعلق الأسد بأية أوهام حول القيمة العسكرية لهذه الروابط والعلاقات مع لبنان والفلسطينيين والأردن، فقد كانت اتفاقيات سياسية تعكس اهتمامه بحماية نفسه بممارسة نوع من السيطرة على البيئة المحيطة به مباشرة. لم تكن هناك ثقة كبيرة فيما بين الأسد وعرفات وحسين، فلقد التقى الزعماء الثلاثة لاشتراكهم في الأمل الواهي بكبح جماح"إسرائيل"فيما لو توثقت بينهم علاقة تضامنية ترص صفوفهم.

وكان الفلسطينيون في تحالف مع قوى اليسار (2) التي يتزعمها كمال جنبلاط"الدرزي"، وتشكل بهذا التحالف جبهة وطنية قوية تستطيع السيطرة على لبنان، وانتزاعها من يد الأقلية المارونية.

وعندما وقعت الحرب الأهلية في العام 1975م بين الجبهتين وجدت سوريا نفسها في مأزق يجرها بعيدًا عن أهداف السلام الذي تسعى إليه، وفي ربيع 1976م بدأ الحصار يشتد على الموارنة، وبدأت القوات اليسارية تشم رائحة النصر.

(1) لمزيد من التفاصيل حول مشروع سوريا الكبرى والهلال الخصيب يراجع: د. جلال يحيى، العالم العربي الحديث منذ الحرب العالمية الثانية، ص 55 ـ 75، دار المعارف، مصر، 1980م، ود. حسن حلاق، التيارات السياسية في لبنان 1943 ـ 1952م، ص 357 ـ 375، الدار الجامعية، 1988، ومحمد عبد الغني النواوي، رؤية إسلامية في الصراع العربي الإسرائيلي، ج1، ص 83 ـ 86، ص 336 ـ 342.

(2) تشكلت القوى اليسارية من: الحزب الشيوعي، حزب العمل الشيوعي، حركة 24 تشرين، حزب البعث العربي الاشتراكي السوري، والبعث العراقي، وحركة المرابطون، والحزب التقدمي الاشتراكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت