فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 78

ظل هدف الأسد الأساس الذي يروغ منه، وقاتل وشق طريقه في لبنان ضد الفلسطينين ونيابة عن المسيحيين من أجله هو حرمان"إسرائيل"من حجة التدخل، ولكن حركته الباهظة التكاليف والمثيرة للخلاف والجدل كانت بلا جدوى، فعند نهاية عام 1976م كانت"إسرائيل"قد تورطت في الشؤون اللبنانية تورطًا عميقًا، وكانت تستعرض بشيء من المباهاة علاقتها الحميمة مع الموارنة، ولقد قَبِلَ المسيحيون مساعدة سوريا، غير أنهم أثاروا حنق الأسد وغضبه ببحثهم عن"ضمانات تأمين"من"إسرائيل"، وهكذا راحت الأسلحة والأموال و"الخبراء"تتدفق من"إسرائيل"إلى داخل الأراضي المارونية عن طريق ميناء جونية، بينما أعيد ترتيب جنوب لبنان لصالح"إسرائيل".

ومنذ شهر يوليو سنة 1976م أي بعد شهر واحد فقط من دخول سوريا للبنان أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي شيمون بيريز برنامج"سياسة الجدار الطيب"التي بموجبها تم فتح"السياج الأمني"للمرور، وهو"حزام"كانت"إسرائيل"قد أقامته من جانب واحد في عام 1974م، ثم راحت من خلاله تقدم لسكان القرى الحدودية اللبنانية مجالات العمل، والرعاية الصحية الطبية، وأسواقًا إسرائيلية لمنتجاتهم، وفي الوقت نفسه أتيحت لـ"إسرائيل"الفرصة لتحويلهم إلى جواسيس متعاونين معها ضد الفلسطينيين. وراحت دوريات"إسرائيل"المدرعة تجتاز الحدود بحرية إلى داخل لبنان، وبحلول شهر أكتوبر سنة 1976 كانت هناك ميليشيا مؤيدة لـ"إسرائيل"يقودها سعد حداد الضابط المسيحي السابق في الجيش اللبناني، وتقوم بمهمة جهاز إنذار مبكر على طول الحدود كلها.

وهكذا أصبح المسيحيون ناكرين للجميل، والدروز مليئين بالمرارة، والثوريون المتشددون من كل الأنواع والدرجات باحثين عن الانتقام، أما الفلسطينيون فأصبحوا معادين واستمروا يحملون السلاح. وأما"إسرائيل"التي أصبحت جزءًا من المسرح السياسي اللبناني ـ كسوريا تمامًا ـ فقد صار بمقدورها التحرش بالأسد كما تشاء وعلى هواها؛ ذلك أن الأسد، في سعيه للدفاع عن بيئته، قد سقط في الفخ اللبناني وفي العام 1982م وعند الغزو الإسرائيلي للبنان تلقى الأسد من"إسرائيل"ما لم يكن يتوقعه، على نحو ما سيأتي . (1)

أين الشيعة؟!

في وسط هذه الفوضى التي عمت الواقع اللبناني، ومع كل هذه الاشتباكات السياسية والعسكرية بين كافة الطوائف، كان للطائفة الشيعية دور آخر يصب في نهاية المطاف في خدمة هدفها، ولكن أين كان الشيعة في هذا الوقت وما هو موقفهم من تلك الأحداث؟

"كانت نظرة الأسد إلى الشيعة أكثر إيجابية وتأييدًا؛ ففي بيئة الأسد المشرقية الشامية كان الشيعة في غالبيتهم من فلاحي جنوب لبنان الذين ظلوا أجيالًا متلاحقة يعملون في حقول التبغ لدى عوائل الملاك الغائبين تمامًا كما كان العلويون يفعلون في أيام شبابه، وكان كفاح الشيعة من أجل حصة أكبر في الدولة اللبنانية التي يسيطر عليها الوجهاء من النصارى والسنة نسخة من كفاحه هو في سوريا، وفي إحدى المناسبات في أوائل الثمانينيات طلب وفد من زعماء المسلمين السنة في بيروت مساعدة الأسد ضد جموع الفلاحين الشيعة التي تزحف على مدينتهم وتهدد بتغيير طابعها، فلم يُظهِر الأسد تعاطفًا مع هذا الطلب، وذكَّر زائريه بأنه هو نفسه كان فلاحًا أطاح بسلطة وجهاء المدن". (2)

وكان حزب البعث مدركًا منذ وصوله إلى السلطة في عام 1963م للقاعدة الضيقة للنظام، فإن علويي سورية سعوا للوصول إلى توازن قلق بين الحصول على الاعتراف بوضعهم المعلن ذاتيًا كفرع من المذهب الشيعي الإثني عشري وبين الحفاظ على هويتهم ـ الثقافية الطائفية ومعتقداتهم السرية. لذا فإن الدور السياسي للعلويين باعتبارهم قاعدة للسلطة الحزبية قد ساعد في إبراز مشكلة الشرعية (إضفاء الشرعية) العلوية. وأضاف بعدًا إلى السياسة السورية، ومن هنا كانت أهمية العلاقات مع شيعة لبنان وإيران على التوالي.

إن تطور السياسة السورية إزاء شيعة لبنان وإيران كان مقيدًا أيضًا بالتطور المستقل لسياسة الشيعة اللبنانيين وبالتطورات داخل إيران بالطبع.

(1) لمزيد من التفصيل يراجع: فصل: الفخ اللبناني في كتاب باتريك سيل، الأسد: صراع على الشرق الأوسط، ص 433 ـ 569، والصراع العربي الإسرائيلي للنوواوي، ص 236 ـ 237، 472، 475 ـ 481، 493 ـ 499، وسوريا وإيران تنافس وتعاون، ص 14 ـ 15، 33 ـ 34.

(2) باتريك سيل، 579.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت