فهرس الكتاب
كان توكيد الواقع السياسي الجديد للشيعة في لبنان منذ أواخر الستينيات مصحوبًا بوعي حاد من قبل كل من القادة السوريين والشيعة اللبنانيين المحليين لمصالحهم المتبادلة وقضيتهم المشتركة. فبالنسبة للشيعة اللبنانيين فإن البحث العلوي عن الشرعية كان يسير في موازاة حاجة الشيعة إلى حليف خارجي يُعتمد عليه، ولقد تعززت هذه العلاقة من وقت لآخر بفعل الروابط الشخصية الحميمة بين قادة الطرفين، كما تمثلت العلاقة بين الرئيس السوري والزعيم الشيعي موسى الصدر في أوائل السبعينيات، ويمكن النظر إلى فتوى الصدر باعتبار العلويين اللبنانيين المحليين شيعة في أيلول 1973م على أنها إيماءة شخصية وسياسية على درجة عالية في الوقت ذاته باتجاه القيادة السورية، بالرغم من الشكوك في قيمتها ـ وخاصة أن العلويين أعادوا لاحقًا تأكيد هويتهم الدينية المستقلة ـ، هذه الإيماءة تناغمت بشكل بارع مع هدف الصدر في الحفاظ على روابط قوية مع سورية من حيث إنها ثقل موازن قوي للأطراف الأخرى في المرجل اللبناني، وكانت هامة أيضًا في سياق اهتمام سورية الخاص بالطائفة الشيعية اللبنانية الدائمة النمو والتجذر.
إن الاستقرار النسبي للعلاقات السورية ـ الإيرانية في منتصف السبعينيات لم يمنع وفقًا لذلك من نشوء روابط وثيقة بين دمشق وعدد من الشخصيات القيادية في المعارضة الإيرانية.
فمع موسى الصدر الذي كان آنذاك صديقًا شخصيًا للأسد ـ والذي كان يقوم بدور أحد الوسطاء الأساسيين ـ مَنح كبار شخصيات المعارضة الإيرانية امتيازات خاصة من قِبَل السلطات السورية.
وعندما طُرد آية الله الخميني من العراق في تشرين الأول (أكتوبر) 1978م عرض الأسد استقبال الزعيم الإيراني في دمشق أولًا، وقد رفض العرض بلباقة في حينه؛ لكنه ظل موضع تقدير من قِبَل الخميني كما نُقل إلى المسؤولين السوريين بعد ذلك بسنوات. وعلى كل حال من الأحوال، فإن الفحوى السياسية لقضية الشرعية قد لعبت دورًا هامًا في تطور العلاقات السورية الإيرانية، ويمكن في الواقع النظر إليها كإحدى المحركات الرئيسة لنشوء التحالف بين البلدين.
لقد ساعدت هذه الصلة أيضًا في تأسيس لبنان باعتباره نقطة تقاطع هامة بين العنصر الاجتماعي الديني للعلاقات الشيعية العلوية والمصالح الإقليمية والاستراتيجية لكل من سورية وإيران . (1)
وقد قدم موسى الصدر خدمة جليلة للنظام السوري أثناء حربه مع القوات الوطنية المتحالفة عام 1976م بأن طالب الشيعة بعدم الانضمام إلى هذه الجبهة، أما حركته، حركة أمل فكفت يدها عن النصارى والنصيريين!! وبذلك فقدت الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينيون أحد الدعائم التي كان من الممكن أن تغير الوضع في لبنان . (2)
وعلى نهج الصدر سار نبيه بري من بعده على هذا التحالف مع سوريا؛ فها هو يقول: نحن نعتبر أن العلاقة الوثيقة بين سورية ولبنان تخدم مصلحة البلدين. هذا الأمر نتيجة إيمان لقننا إياه الإمام موسى الصدر وسرنا عليه ولا نزال، وسنبقى، إننا اتخذنا خيارنا مع سوريا: نعيش معًا أو نموت معًا . (3)
إن حركة أمل لم تتسلم شيئًا على الإطلاق من أي إنسان خارج سوريا التي حصلنا منها على السلاح، أخذنا أسلحة ودبابات من سوريا، وإمداداتي العسكرية كلها من سوريا، أنا لا أنكر ذلك . (4)
وهذا الارتباط السوري مع شيعة لبنان جزء من ارتباط أكبر مع إيران صاحبة اليد العليا التي تنفق وتخطط، ومن المهم استعراض هذا التحالف وأسبابه وأهدافه.
بين طهران ودمشق
منذ اللحظة التي تسلم فيها الخميني السلطة في أوائل عام 1979م اعتبر الأسد مصادقته شيئًا تقتضيه مصالحه العليا.
وبوقوفه إلى جانب دولة خارج الأسرة العربية، ومع حركة إسلامية ثورية تتحدى المؤسسات السنية أظهر الأسد تحررًا غير معهود من التقاليد، وأعاد رسم قواعد نظام القوى في الشرق الأوسط. وكانت هناك أسباب استراتيجية هامة لتحركه، ولكن كانت لها أيضًا جذور تكمن في خلفيته بوصفه أحد أبناء طائفة تنتسب إلى التشيع، وفي شعوره بالتعاطف مع رجل من أصول ريفية ومن أقلية كالشيعة المحرومين في لبنان على وجه الخصوص، وهم الذين عانوا من التهميش طويلًا.
كان الأسد عندئذٍ في غمرة صراع الحياة والموت مع الإخوان المسلمين، فراح يراقب بانتباه يقظ هجوم الخميني الإسلامي على الشاه.
(1) راجع: سوريا وإيران تنافس وتعاون، 12 ـ 15.
(2) راجع: رؤية إسلامية للصراع العربي الإسرائيلي، 483 ـ 484، وانظر: باتريك سيل. 573.
(3) جريدة الحياة، العدد: 13402/ 9/8/1420هـ ـ 17/11/1999م.
(4) حواره مع مجلة الوسط، العدد، 276، 277، 12، 19/5/1997م، وانظر: حركة أمل والابتعاد عن النموذج الخميني، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 959، ص 49.