فهرس الكتاب
كان تشيع آية الله نوعًا من الإسلام مختلفًا جدًا عن النزعة الأصولية السنية لدى المقاتلين السوريين. والواقع أن غضب الأسد على هؤلاء وعلى المؤسسات السنية في العالم العربي ربما كان عاملًا في قراره مد يده إلى طهران؛ فثورة إيران لم تقلقه أبدًا، بل إنه، على العكس، راح يشجعها.
وحتى عندما كان الشاه لا يزال في السلطة، مد الأسد يد المساعدة إلى بعض مساعدي الخميني، مثل إبراهيم يزدي ومصطفى شمران وصادق قطب زاده، الذين قدر لهم أن يعملوا فيما بعد وزراء في الجمهورية الإسلامية. فقطب زاده مثلًا أعطي جواز سفر سوريًا مكَّنه من القيام بنشاطه المعادي لنظام الشاه وهو متنكر كمراسل صحفي لجريدة الثورة الدمشقية اليومية في باريس.
ورحب الأسد باستيلاء الخميني على السلطة في طهران ببرقية تهنئة حارة، وبعد ذلك بأسابيع قليلة أرسل له نسخة من القرآن مزخرفة بالذهب والأحرف الساطعة، هدية حملها إلى قم وزير إعلامه في ذلك الوقت أحمد إسكندر أحمد، وبعد تقبيل المصحف شكر آية الله سوريا على عرضها له بالنزول في ضيافتها في أكتوبر سنة 1978م عندما أُخرج من العراق ولم يكن قد استقر بعد في"نوفل لو شاتوه"بالقرب من باريس، وكان بحاجة إلى قاعدة يشن منها هجومه الأخير على الشاه، وقد تطورت العلاقات الإيرانية ـ السورية بسرعة بعد الثورة، فقام وزير خارجية الأسد في ذلك الوقت، خدام، بزيارة طهران في أغسطس سنة 1979م وأعلن بشيء من المبالغة والغلوّ أن الثورة الإيرانية هي"أعظم حدث في تاريخنا المعاصر"، وافتخر بأن سوريا قد دعمتها"قبل قيامها وأثناء اندلاعها وبعد انتصارها". (1)
وبعد ذلك قال الأسد في إحدى خطبه: إن الثورة الإسلامية في إيران هي ثورتنا فنحن ندافع عنها.
إن الاهتمام السوري بإيران والاهتمام الإيراني بسورية ولبنان يعودان زمنيًا إلى ما قبل سقوط الشاه، وقبل العلاقات الحميمة الحالية بين سورية البعث وجمهورية إيران الإسلامية.
وتعود الروابط الاجتماعية الدينية بين جبل عامل وإيران الصفوية إلى القرن السادس عشر، وثمة شبكة واسعة من الروابط العائلية والتجارية لا تزال تعزز الاتصال السياسي بين مختلف الطوائف والتجمعات في المنطقة.
لقد كانت الخصومات السورية ـ الإيرانية الأحدث عهدًا في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين الميلادي إلى حد كبير نتيجة للقلق الإيراني الإمبراطوري حول الطبيعة الراديكالية للنزعة القومية العربية الشاملة وتأثيرها المحتمل على زعزعة الاستقرار في عموم المنطقة وفي المناطق الناطقة بالعربية من إيران ذاته، وبالقدر نفسه فقد كان الرأي السائد في أوساط أنظمة الحكم القومية العربية في مصر والعراق وسورية هو أن إيران تحت حكم الشاه ليست سوى عنصر في مخطط استراتيجي غربي كبير ـ ويشمل إسرائيل ـ لاحتواء الاندفاع نحو الوحدة العربية وهزيمته.
فبقدر ما مثل الشاه القومية الفارسية المنبعثة في ظل العداء التاريخي العربي ـ الفارسي، فإن الطموحات القومية العربية كانت تبدو في حالة تعارض طبيعي مع كل من رموز وسياسات إيران الإمبراطورية.
وبحلول منتصف السبعينيات بدأ عدد من العوامل الجديدة يُحدِث تأثيرًا جوهريًا في العلاقات العربية الإيرانية عمومًا، وعلى موقف سورية إزاء إيران خصوصًا.
إن التقهقر النسبي للنزعة القومية العربية بعد وفاة عبد الناصر وتعزُّز سلطة النظامين البعثيين اللذين يتبادلان العداء في سورية والعراق قد فتح الباب أمام مثلث علاقات جديد.
لقد كان لهذه السيرورة ما يقابلها من تطور مماثل في السياسات الإيرانية من موقف التحفظ العلني على الأقل في الصراع العربي الإسرائيلي ـ مع القيام بتعاون مقصود وإن كان متدني المستوى مع إسرائيل ـ إلى خط"مناصر للعرب"أكثر تقدمًا في حرب 1973م يشمل عرض المساعدة الاقتصادية والطبية على سورية"سورية فقط".
إن إيران بإدراكها للروابط الناشئة بين العناصر الثورية الإسلامية والجماعات الفسلطينية والشيعية المقاتلة في لبنان قد سعت لتقوية روابطها مع سورية باعتبارها وسيلة ممكنة للضغط المعاكس ضد معارضتها الداخلية. وفي الوقت ذاته فإن إيران الأكثر ثقة بقوتها الاقتصادية والعسكرية تقدم نفسها إلى"بعض"المحاورين العرب بوصفها وسيلة لتوسيع دورها وحضورها الإقليميين. وبحلول أواخر 1975م كانت إيران قد بنت علاقة عمل جديدة مع سورية تمثلت بالاتفاق الاقتصادي عام 1974م بين البلدين وزيارة الرئيس الأسد الرسمية إلى طهران في كانون الأول من عام 1975م، والتي لم تتكرر حتى أيلول عام 1990م.
(1) راجع باتريك سيل، 572، وما بعدها.