فهرس الكتاب
وبالرغم من أن انفراج العلاقات في منتصف السبعينيات بين سورية وإيران الإمبراطورية لم يكن له تأثير دائم على العلاقات الثنائية أو على التوازن الإقليمي بشكل عام، فإن إدراك سورية لإيران باعتبارها قوة موازنة للعراق ـ والعكس بالعكس ـ ربما يكون قد تجذر في ذاك الوقت. إن البعد الجيوسياسي للعلاقات السورية العراقية من ناحية، والعلاقات الإيرانية العراقية من ناحية أخرى، وبغض النظر عن أي حوافز أو وظيفة خاصة بنظام الحكم، يشكل فيما يبدو إحدى أحجار الزاوية للعلاقات السورية الإيرانية، ولكن ثمة عوامل كثيرة أخرى تتقاطع وتتداخل مع الجانب الجيوسياسي، وهي عوامل داخلة بعمق في النسيح الاجتماعي السياسي والطائفي والديني للمنطقة . (1)
مسوغات التحالف
بالإضافة إلى ما ذكر من الترابط العقدي بين سوريا العلمانية وإيران الثورية الخمينية بعدما سيطر حزب البعث على النظام في سوريا، فإن هناك عوامل أخرى كانت دافعًا لكل طرف لكي يتوثق التحالف مع الآخر، وقد تشبعت هذه العوامل وكثرت.
ويبدو أن سقوط الشاه في كانون الثاني عام 1979م قد مهد الطريق لاصطفاف استراتيجي جديد بين سورية وإيران.
بالنسبة للسوريين فقد كان توقيت الثورة الإيرانية الأكثر ملاءمة لهم؛ فقد تفاقم إحساس سورية بالعزلة وكونها عرضة للخطر الاستراتيجي بشكل متزايد نتيجة لتخلي مصر عن الصراع ضد"إسرائيل"وتوقيعها على اتفاقية كامب ديفيد في عام 1979م، كما أن إخفاق أي تحرك حقيقي باتجاه تقارب سوري عراقي وتصاعد التوتر مع العراق بعد محاولة الانقلاب المزعوم"المدعوم من سورية"في العراق في شهر يوليو من ذاك العام قد وضع حدًا للتفكير بأي تجمع عربي جديد من شأنه أن يقوّم الاختلال القائم في ميزان القوى لصالح"إسرائيل"، كانت سورية قلقة أيضًا لكون مصر ـ وقد أصبحت في المعسكر"المؤيد للغرب"بثبات ـ سوف تجر في أعقابها أطرافًا عربية أساسية أخرى ـ بما في ذلك الأردن ـ مما يؤدي إلى زيادة عزلتها وإضعاف موقعها إزاء"إسرائيل".
إن اهتمام سورية بتوطيد علاقتها مع إيران ربما كان يمتلك عنصرًا استباقيًا: فمن خلال تواجدها المبكر، أمكن لسورية أن تدَّعي بعض الأولوية في مواجهة منافسة محتملة مبدئيًا، ربما تكون سورية قد أخذت بعين الاعتبار الحاجة لمنع انزلاق إيراني ممكن باتجاه"إسرائيل"مرة أخرى، وذلك ما لم تكن سورية راغبة فيه في ذلك الوقت، وهي إمكانية ليست متعارضة كليًا مع مصالح طهران بنظر القيادة الإيرانية، كما ثبت لاحقًا من خلال قضية إيران ـ كونترا.
في أوائل عام 1982م تم تحفيز هذه الجهود بفعل الأحداث التي وقعت في سورية عندما واجه الأسد أصعب تحدٍّ داخلي حتى ذلك الوقت،"أحداث حماة"فقد أراد الأسد من خلال العلاقة مع إيران نزع الشرعية عن المعارضة.
لقد كان الدعم الإيراني للأسد آخذًا بعين الاعتبار رصيد إيران الثوري ودعواها الإسلامية، وهو ما ساعد في احتواء الانعكاسات الداخلية لتصفية الحساب مع الإخوان. ومع ذلك، وبالرغم من أن الإخوان ينادون بالنقيض، فإن إيران قررت علنًا أن تعطي الأفضلية لعلاقتها الدولية (دولة لدولة) مع سورية على صلتها الأيديولوجية المفترضة مع حركة إسلامية شقيقة بالرغم من كونها سنية.
إن صلة سورية بإيران قد منحتها نفوذًا إقليميًا ودوليًا على حد سواء؛ فقد كانت بعض الدول العربية بدت مستعدة للحفاظ على مساعدتها الاقتصادية لسورية واعترفت ضمنًا بفائدة القناة السورية المؤدية إلى إيران.
وفي الوقت ذاته فإن مجرد التهديد بالتقارب مع صدام أعطى سورية نفوذًا ملحوظًا لدى إيران ذاتها بدون أن يتعين عليها التعهد بأي شيء أكثر من خطوات رمزية قليلة في هذا الاتجاه ـ كما أظهر لقاء الأسد وصدام في نيسان 1987م ـ وكان بمقدور سورية أن تمارس الضغط على إيران وترضي جماهيرها العربية في فترة مَّا في الوقت ذاته.
وتأتي اهتمامات إيران من ناحيتها لتعكس عددًا من العوامل المستقلة والمتداخلة، فكانت إيران في حاجة ملحَّةٍ إلى حليف يعتمد عليه بشكل كبير بسبب رغبتها في الحفاظ على مواطئ قدم هام في المعسكر العربي، وحاجتها لإبقاء الضغط على العراق.
إن الحفاظ على علاقات جيدة مع سوريا قد منح إيران فائدة أخرى هي تحديدًا الوساطة السورية الممكنة مع عدد من الدول الهامة الأخرى وخاصة دول الخليج.
وهذه الدول، بالرغم من خوفها من النشاط الثوري لإيران وإغرائها الممكن للأقليات الشيعية الكبيرة في الخليج نفسه، كانت قلقة في الوقت ذاته من إمكانية انتصار عراقي حاسم، لذلك فإن سورية كانت في وضع مثالي جيد لتلعب دور الجسر مع الخليج، أولًا بحكم نفوذها المفترض لدى طهران، وثانيًا من افتراض أنها قوة كامنة مضادة للعراق.
(1) راجع: سوريا وإيران، 10 ـ 13، وراجع: د. عبد المنعم سعيد، العرب ودول الجوار الجغرافي.