فهرس الكتاب
على الصعيد الدولي كانت روابط سورية الوثيقة مع الاتحاد السوفييتي قد منحت إيران قناة لا تقدر بثمن إلى القوة العظمى الأخطر على حدود إيران المباشرة. فإن إيران كانت مدركة لحاجتها إلى الحفاظ على علاقات الدولة للدولة مع الاتحاد السوفييتي بشكل نِدِّي لعدد من الأسباب السياسية والاقتصادية والمذهبية والاستراتيجية.
إن مساعي سورية الحميدة ربما ساعدت في بعض الأحيان أيضًا في تسريع الاستجابة السوفييتية للمطالب الإيرانية كما كان الحال ظاهريًا بالنسبة للشحنات العسكرية السوفييتية العابرة إلى إيران عن طريق سورية.
بيد أن الثورة الإيرانية قد فتحت الباب أمام دور إيراني جديد أصلًا في المنطقة. وكما أثبت الإسلام الشيعي الثوري قوته، وبدا أن إمكانية خلق نظام إقليمي جديد محوره إيران ليست وهمية؛ فقد تحرك النظام الجديد في طهران بسرعة لتعزيز علاقاته مع سورية، ولكن ظهور سلطة ثورية شيعية ذات ثروات كبيرة كامنة وقوة عسكرية ذات شأن كان بحد ذاته مزعزعًا للاستقرار بالمفهوم الإقليمي. إن المخاوف العراقية التقليدية من النزعة التوسعية الفارسية قد تضاعفت الآن بفعل ما يعتقد بالتهديد الانفصالي الداخلي من قِبَل الأغلبية الشيعية العراقية التي تشجعها إيران والمحفزة بمثالها. إضافة إلى ذلك هناك خطر محور إيراني ـ سوري يقوم بشكل فعال بدور كماشة جيوسياسية عملاقة ضد العراق.
لقد كانت الحرب الإيرانية ـ العراقية اللاحقة نتيجة لتفاعل المنافسة التاريخية والانقسامات الطائفية والجغرافيا السياسية والتحدي الأيديولوجي.
إن تحالف سورية مع إيران عكس عددًا من الاعتبارات، ومن هذه الاعتبارات كان خطر تراخي الضغط على صدام حسين. فالدعم السوري لإيران كان يعتمد على الخلاف مع العراق، وزاد من احتمال الانتقام العراقي ضد سورية إذا ما سنحت الفرصة لذلك؛ إذ إن انهيار التحالف مع إيران سيكون له تأثير ضئيل في تهدئة صدام حسين في هذه المرحلة، وقد تكون سورية رأت أن من الأفضل الإبقاء على إيران بوصفها ثقلًا موازنًا للعراق بدلًا من التعويل على الاعتراف العراقي بالجميل مقابل تغير متأخر في العلاقة مع طهران.
ولقد ساعد الغزو العراقي لإيران في أيلول 1980م في تحضير الأساس لتحالف رسمي بين سورية وإيران أثناء المرحلة الأولى من الحرب ما بين 1980، 1982م.
أما بالنسبة للإيرانيين فقد قدم السوريون وسيلة غير مباشرة للضغط العسكري على العراق ومصدرًا مباشرًا للسلاح للقوات المسلحة الإيرانية المنغمسة في الحرب، لقد ذُكِرَ أن القيادة العراقية كانت مرغمة على نشر عدد من الفرق العسكرية على الحدود السورية لأغراض دفاعية وردعية، كما لقيت شحنات الأسلحة السورية المرسلة بموافقة ضمنية من الاتحاد السوفييتي ترحيبًا خاصًا في ظل الحظر الغربي، فقد كان حوالي 70% من العتاد الإيراني قبل الثورة ذا منشأ غربي.
وقد ساعد الدعم السوري للأكراد، والرعاية المقدمة للاتحاد الوطني الكردستاني ـ بالإضافة إلى مجموع المعارضة العراقية المنضوية في"الجبهة الوطنية التقدمية والديموقراطية"ـ في ازدياد الضغط على حدود العراق الشمالية مما أدى إلى تحييد قسم آخر لا يستهان به من آلة صدام حسين الحربية.
كانت الحرب قد أذنت بتورط عراقي عميق طويل المدى في إيران من شأنه أن يشغل انتباه العراق عن سورية ويسمح لنظام الأسد بهامش أكبر للمناورة في المشرق بصورة عامة. وبالرغم من أن إمكانية الهزيمة الإيرانية قد سببت لسورية بشكل أساسي شيئًا من القلق فقد كان مؤكدًا بعد أسابيع قليلة من الحرب أن النصر الحاسم لأي من الطرفين لم يكن وشيك الحدوث.
إن مكاسب سورية من عجز العراق عن إحراز نصر حاسم قد تضاعفت عندما تحول الصراع إلى حرب استنزاف، كما أن دور دمشق المكتشف حديثًا باعتبارها وسيطًا أعطاها ميزة خاصة لدى دول الخليج عند التماس المساعدات المالية والاقتصادية، وكانت علاقاتها مع إيران تحمل شعورًا خفيًا بالتهديد لأولئك الذين كانوا يخافون من احتمال الانتصار الإيراني. وفي الوقت نفسه بدت سورية ثقلًا موازنًا محتملًا للعراق بدون نزعات التوسع والهيمنة التي كانت تشوب موقف العراق من الخليج.
بعد أحداث مدينة حماة ـ لاحظ التوقيت ـ سارعت الدولتان باتجاه تحالف رسمي، فقد تم توقيع اتفاق تجاري واقتصادي بعيد المدى بين البلدين من قبل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في طهران في آذار 1982م. لقد شمل الاتفاق تصدير 9 ملايين طن من النفط الإيراني إلى سوريا سنويًا، منها حوالي 20000 برميل مجانًا في اليوم وحسومات أخرى، مقابل تصدير الفوسفات السوري إلى إيران.