فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 78

ولم يكن ليخفى السبب الكامن وراء السخاء الاقتصادي الإيراني بالرغم من احتياجات الحرب الملحة، فقد ظهرت ثمار هذا الكرم بعد ذلك بشهر واحد عندما أغلقت سورية حدودها مع العراق للمرة الأولى، ثم أقفلت خط النفط العراقي ـ السوري الحيوي الواصل ما بين كركوك وبانياس وإلى طرابلس في شمال لبنان، مما أدى إلى إنقاص صادرات النفط العراقي إلى النصف، وأضاف خسارة سنوية تقدر بـ 7 بلايين دولار أمريكي إلى جانب نفقات العراق الحربية، وتبين أن سلسلة الهجمات الإيرانية الناجحة المتزامنة مع الاتفاقيات السورية الإيرانية قد استفادت من شحنات السلاح السورية غير المعلنة الملحقة بالاتفاقية . (1)

الغزو الإسرائيلي للبنان .. والتحالف

في منتصف عام 1982م بدا أن التحالف السوري ـ الإيراني قد بدأ جديًا بالتأثير على مستقبل العراق في الحرب. ولكن وفي حزيران انجرفت سورية باتجاه آخر، ومع هذا الانجراف بدأ يتشكل دور إيراني جديد في المنطقة، فغزو"إسرائيل"للبنان في ذاك الصيف بدّل المشهد الاستراتيجي في المشرق العربي. ففي حين كان الهدف المباشر للغزو هو اجتثاث منظمة التحرير الفلسطينية من الساحة اللبنانية، كان الهدف الإسرائيلي الأكبر هو إضعاف سورية عسكريًا وإزاحة لبنان من دائرة نفوذ سورية وسيطرتها.

وفي هذه الحرب كان هناك استعراض تدميري للتفوق التكنولوجي الإسرائيلي على القوى الجوية السورية التي فقدت 102 طائرة و61 طيارًا قتلوا في ثلاثة أيام، والتدمير شبه اليسير لشبكة صواريخ أرض ـ جو السورية التي كانت قد أمَّنت فيما سبق بعض الشعور بالأمان من القوة الجوية الإسرائيلية البعيدة المدى.

وكان هناك الغياب الواضح لأي دعم عربي أو دولي حقيقي، والأكثر حرجًا هو غياب أي رد فعل سياسي أو عسكري فعال من حليف سورية الاستراتيجي، الاتحاد السوفييتي.

إن الحذر السوفييتي فيما يتعلق بالغزو الإسرائيلي والمأزق العسكري لسورية عزز إدراك سورية لحدود الدور السوفييتي في المنطقة.

وبالقدر نفسه من السوء، كان بروز التحالف بين"إسرائيل"والنظام الكتائبي للرئيسين المتعاقبين: بشير وأمين الجميل على التوالي. وهذا التحالف قد هدد بوضع حكومة أقلية مدعومة من"إسرائيل"على خاصرة سورية بمباركة ودعم أمريكي كامل.

لكن غزو 1982م كان له أيضًا تأثير عميق على وجود إيران في لبنان عن طريق توسيع دورها في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. فإن الغزو وفر الفرصة للمساهمة الإيرانية المباشرة الأولى في المجهود الحربي الداعم للحركة الشيعية في لبنان على شكل وحدة عسكرية صغيرة نسبيًا مكونة من 1500 ـ 2000 عنصر من الباسداران (الحرس الثوري الإيراني) الذي سُمح لهم بالدخول عن طريق سورية إلى البيئة الصديقة في وادي البقاع.

قبل ذلك الوقت كانت الجهود الإيرانية لإقامة وجود عسكري مستقل في لبنان قد صُدَّت من قبل الأسد نفسه، لكن الموقف السوري بعد الغزو الإسرائيلي ربما أضحى أقل مقاومة لعروض المساعدة الإيرانية من ذي قبل. إن عرض إيران للدعم الفعال كان في تعارض حاد مع عدم مبادرة بقية العالم العربي والاتحاد السوفييتي، وأثبت انعدام الفعل العربي قيمة الصلة الإيرانية في العيون السورية، وعزز القناعات السورية بأن مرحلة ما بعد كامب ديفيد كانت تستلزم إعادة اصطناع استراتيجية يمكنها أن تحد من هوامش المناورات الإسرائيلية المتسعة باطراد ـ وخاصة في لبنان ـ، مع وجود إيران بوصفها شريك سورية الوحيد الموثوق به عن بُعد في الساحة.

من وجهة نظر إيران فإن وجودها الجديد في لبنان قد أنتج نقطة التَّمَاس المباشرة الأولى بين النظام الثوري وطائفة شيعية كبرى في العالم العربي وهي أكبر طائفة من هذا النوع خارج العراق، ومن الآن فصاعدًا ستصبح إيران لاعبًا قياديًا في شؤون هذه الطائفة وسوف تعتبرها قاعدة ممكنة لمدّ نفوذها إلى قلب الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

في هذا الوقت بدأ تقاطع المصالح والتوجهات بين سورية وإيران بالاتساع. ففي حملتها لإخراج الإسرائيليين من لبنان كانت الدوافع المباشرة لسورية دوافع استراتيجية؛ فالوجود العسكري الإسرائيلي في النصف الجنوبي من لبنان، وعلى الأخص في وادي البقاع قد وضع العمق السوري تحت تهديد مزدوج. فلأول مرة كانت دمشق معرضة لخطر مزدوج محتمل من الجولان والمواقع الإسرائيلية الأمامية في لبنان، إضافة إلى ذلك، فقد كان هناك التهديد الجيوسياسي النابع من وجود نظام موالٍ لـ"إسرائيل"وموال للغرب في لبنان.

لقد كان القلق السوري حول إمكانية العزلة الإقليمية ومخاطر الصفقات الثنائية العربية ـ الإسرائيلية المستقلة آنذاك المحدد الأساس لسياستها الخارجية، فوجود لبنان في الفلك الإسرائيلي ـ الأمريكي سوف يزيد من ترجيح كفة التوازن الإقليمي المائل أصلًا بشكل غير مرغوب فيه عن طريق إكمال التهديدات العراقية والإسرائيلية بتطويق محتمل من الغرب.

(1) راجع: سوريا وإيران تنافس وتعاون، والأسد: صراع على الشرق الأوسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت