فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 78

كما أن ارتداد لبنان سوف يضيف ثقله إلى خسارة مصر، ومع الأخذ بعين الاعتبار الموقف المشكوك فيه للأردن. وفي ظل هذه الظروف فإن رغبة سورية في تقوية روابطها مع إيران ليست مفاجئة؛ فمن أجل المهمة الضخمة لإعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي لمصلحتها استطاعت سورية الاعتماد على إيران لتأمين المساعدة المادية على شكل معونة اقتصادية، وقوة بشرية على شكل جماهير محلية مهيأة وتحريض يتمثل وجهة نظر راديكالية معادية لـ"إسرائيل"وللغرب، ومصدر جديد للضغط والتهديد المحتمل لإلهاء كل خصوم سورية الإقليميين والدوليين تقريبًا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مسافة مادية وتاريخية كافية لتفادي أن تصبح قوية أكثر مما يجب أو مستقلة أكثر مما يجب على الحلبة الداخلية لسورية.

كان بروز كتلتين عربيتين كبيرتين في أواسط الثمانينيات، وهما مجلس التعاون العربي (الذي يضم مصر والعراق والأردن واليمن الشمالي) ودول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعُمان) قد فاقم الإحساس السوري بالعزلة الإقليمية؛ وفي هذا الوقت استمرت إيران في إمداد سورية بشريك قوي وقطب بديل.

تجديد الثقة

فيما بين أغسطس 1988، وأغسطس 1990م كان هناك عدد من التطورات التي أثرت على العلاقة السورية الإيرانية.

فمع انتهاء الحرب الإيرانية العراقية بدت قوة العراق بشكل ملحوظ في وجه كل من سورية وإيران، فالعراق لم ينجح فقط في فرض نهاية مذلة للحرب بإثبات تفوقه العسكري شبه الكامل على إيران، بل كان في موقع جيد جدًا لجني أفضل فائدة من التأييد الدولي والعربي الواسع للقيام بدور القوة العربية الكبرى المتربعة على الخليج والمشرق، لذلك فقد تقوت دوافع إيران للتمسك بالتحالف مع سورية بفعل تضافر عدة عوامل، وهي ضعفها مقابل القوة العراقية والانتشار العسكري الأمريكي في الخليج (مثل رفع الأعلام الأمريكية على السفن الكويتية ومرافقة ناقلات النفط عبر مياه الخليج) والعزلة الإقليمية والدولية.

وبالمثل فقد كانت سوريا مدفوعة بمصلحتها التقليدية في احتواء العراق والحفاظ على دورها الفريد في لبنان. بيد أن عوامل أخرى كانت تفعل فعلها، أولها وأهمها: التغيرات في علاقات الشرق ـ الغرب وإبعاد التنافس الأمريكي ـ السوفييتي في المنطقة. فقد بدأت علاقات سورية السياسية والاستراتيجية الطويلة الأمد مع الاتحاد السوفييتي بالتآكل مع مجيء الرئيس غورباتشوف في منتصف الثمانينيات والامتناع السوفييتي المتزايد عن إمداد المجهود الحربي لسورية أو تدعيم اقتصادها المتوعك.

إن جدول أولويات الاتحاد السوفييتي المتغيرة قد مارس ضغطًا على السوريين لكي يعدوا دراسة استراتيجيتهم الكبرى تجاه"إسرائيل"بما في ذلك مذهب التوازن الاستراتيجي الذي أوجده السوريون في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد، بناءًا على فرضية القوة العسكرية السورية والسقف الأعلى لحرية الحركة الإسرائيلية التي يقيدها الرادع السوفييتي الضمني؛ فإن تجربة 1982م في لبنان وضعت إشارة استفهام حول مصداقية المظلة الأمنية السوفييتية المزعومة.

وفي نيسان 1987م أبلغ غورباتشوف الأسد في موسكو أن"التوازن الاستراتيجي"بمعنى التكافؤ العسكري مع"إسرائيل"هو حلم مستحيل وأن الانقطاع المستمر للعلاقات الدبلوماسية السوفييتية ـ الإسرائيلية هو حالة"شاذة"من الشؤون الدولية . (1)

كما أن التوجه السوري للمفاوضات مع إسرائيل لم يلق معارضة من إيران، بل لقد تفهمت إيران الدوافع السورية لهذه المفاوضات ولما ينتج عنها من آثار سوف تؤثر بلا شك على الوضع الإيراني في لبنان، وعلى عمل الحركات الشيعية في لبنان.

وقد أعلن حامد رضا آصفي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن بلاده تساند الجهود الدبلوماسية التي تبذلها سوريا لاستعادة مرتفعات الجولان . (2)

وفي تلك الأثناء، والأجواء السلمية والمفاوضات تملأ أركان دمشق كان الاحتفال الكبير فيها بالذكرى المئوية لميلاد الخميني، والذي ضم شخصيات هامة من البلدين، إضافة إلى لبنان وفلسطين . (3)

(1) راجع سوريا وإيران، 21 ـ 29، 35 ـ 36، 49 ـ 51، وراجع الأسد، صراع على الشرق الأوسط، 575، 577، 581ـ 583، 642، ومقال لإفراهام سيلع، صحيفة هآرتس 6/4/1999م، ومقال: من يعرقل الانسحاب، ليوسي أولمرت، صحيفة يديعوت أحرونوت، 22/3/1998م، ومقال: لبنان، أوان تقييم الوضع، لشلومه جازيت، صحيفة معاريف، 21/8/1997م، ومجلة المجتمع، عدد: 959، وحوار محمد حسين فضل الله مع الوسط، العدد: 222/11/2/1416هـ، ومجلة المقاومة، عدد: 2، 25، 26.

(2) انظر: جريدة الشرق الأوسط، العدد: 7693/13/9/1420هـ.

(3) انظر: جريدة الشعب القاهرية، العدد: 1417/18/8/1420هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت