فهرس الكتاب
هذا الحلف الإيراني السوري كان له مركز هام لإظهار نتائجه، فكان لبنان هو مطبخ هذا الحلف الذي تشتم منه رائحة الصفقات والاتفاقيات؛ وبهذا فقد تم ربط لبنان بهذا الحلف شاء أم أبى. فهذا وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي في محادثات مع نظيره السوري فاروق الشرع يقول:"إن مصير إيران وسوريا ولبنان في مجال السياسات التي تتخذها البلدان الثلاثة مترابط بعضهما مع بعض". (1) (2)
كما كان من الطبيعي أن يكون"حزب الله"ورقة بين أطراف هذا الحلف، أو الطرفين الأقوى إيران وسوريا، وكان عليه أن ينسجم مع أهدافهما؛ فوجوده ونشاطه مرتهن بتوجهاتهما السياسية، ولكن هل ينجح حزب الله في الاستمرار في دوره وعلى هذه الحالة من الانجذاب بين طرفين؟
الموازنات الصعبة
رسم الظهور العلني لحزب الله خطًا فاصلًا جديدًا من وجهة نظر سورية، كان هذا التطور إشكاليًا؛ فمن ناحية شكلت العناصر الراديكالية الموالية لإيران ذراعًا فعالًا للنشاط بالوكالة ضد"إسرائيل"والولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى، فإن المناداة بجمهورية إسلامية في لبنان وإخضاع إرادة حزب الله لأوامر طهران الروحية والسياسية، كل ذلك كان يشكل تناقضًا مباشرًا بشكل محتمل مع المصالح السورية الوطيدة.
إن نجاح إيران ـ حزب الله في منع سورية من تنفيذ سياستها في لبنان سيكون بمثابة رسالة خطيرة بخصوص السلطة النسبية لكل عنصر فاعل على الساحة اللبنانية؛ فقد كان الدافع السوري قويًا أيضًا لرسم حدود ثابتة ومفهومة بشكل متبادل لهذه السلطة في أعقاب الحملة المشتركة لعامي 1983م ـ 1984م؛ إذ لم يبد تحمُّل سورية لنشاط حزب الله المعادي لـ"إسرائيل"في جنوب لبنان أي تغير في هذه الفترة وظل بدون انتقاص لفترة طويلة.
إن تحدي حزب الله للهيمنة السورية على الشيعة في لبنان بتجاوز الخلافات العملياتية حول الفلسطينيين والحرب في الجنوب، فمن الممكن أن يؤثر على النفوذ السوري وهيبته بالذات.
فسورية لم تكن مستعدة للوقوف مكتوفة الأيدي في حين كانت قوة حزب الله ونفوذه يتوسعان في لبنان، وقد أدى هذا في شباط 1987م إلى أن اصطدمت القوات السورية مباشرة مع حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية.
إن السيطرة السورية في لبنان، ومقدرتها على منع أية تحركات إيرانية ذات شأن في هذه الساحة من المكانة التي تجعل أي تحدٍ مباشر لمصالح سورية الحيوية من قِبَل حزب الله أو إيران لن يؤدي إلى أي مكسب إيجابي لإيران.
وفي الواقع فإن الفقدان المحتمل لحرية الوصول إلى الشيعة اللبنانيين يمكن أن يكون رادعًا لأي دور تخريبي إيراني، إضافة إلى كونه حافزًا كبيرًا بالنسبة لإيران على تشجيع حزب الله على التقيد بقوانين التحالف.
"وعلى هذا فقد تحاشى"حزب الله"الخلاف المعلن مع السياسة السورية مهما كلفه الأمر وغلا الثمن، بل سعى إلى مزاوجة ولاءيه الخميني الإيراني ـ من وجه أول ـ والسوري ـ من وجه ثان ـ من غير انفصال. فالولاء الخميني هو مصدر التحزب والداعي إليه ومنشئ هذه الجماعة على الصورة التي هي عليها؛ وعلى هذا الولاء مبنى تماسك الحزب. وتَدِينُ المنظمة الخمينية إلى ولائها هذا بنهجها وطريقتها التي ميزتها عن غيرها، وتدين للدولة الخمينية بالإعداد والتجهيز والعتاد والموارد والملجأ والحماية و "الذراع الطويلة"."
أما الولاء السوري فهو شرط بقاء الجهاز الخميني المادي"بقاءًا ماديًا"بلبنان واستمراره على خطته ونهجه، وهو بهذا الاستمرار مسوغ دوره. وما أقام الوليَّان على وفاقهما وتنسيقهما وعقدهما لم يكن على"حزب الله"إلا المضي على مقاتلة الدولة العبرية، والتمتع بامتيازات سياسية تحول دون استقرار الدولة اللبنانية، وعلى هذا فاليد العليا معنىً وموردًا هي لإيران، واليد العليا، سياسة وشرطًا ماديًا هي لسوريا، ويسع"حزب الله"البقاء وهو يخدم سيدين لا سيدًا واحدًا!!" (3) "
ولقد كان ذلك من أهم ما أكد عليه حسن نصر الله عقب الانسحاب الإسرائيلي، فحين تحدث عن ذلك قال:"هناك سورية التي لا يستطيع أحد أن يتحدث عن النصر بمعزل عنها لأنها ومنذ سنة 1982م وقفت إلى جانب المقاومة وساندتها وحمتها، سورية كانت دائمًا إلى جانبنا، مساندة سوريا عامل أساسي في هذا النصر، وعندما نتحدث عن النصر يجب أن نتحدث أيضًا عن الجمهورية الإسلامية في إيران، وهي وقفت منذ 1982م إلى جانب المقاومة ودعمتها وساندتها وحمتها". (4)
المتغيرات الدولية وأثرها على الحزب
(1) جريدة الأنباء، العدد: 8302، 14/3/1420هـ ـ 28/6/1999م.
(2) وقد أكد الرئيس اللبناني"إميل لحود أن الانتصار على إسرائيل بانسحابها من الجنوب اللبناني ما كان ليتحقق لولا كل ما وفرته سورية بقيادة الرئيس حافظ الأسد لمساندة لبنان، كما كانت هناك إشارات مماثلة بالدور الإيراني."
انظر: جريدة الحياة، العدد: 13596، 29/12/1420هـ.
(3) راجع: وضاح شرارة، ص 362 ـ 374.
(4) مجلة الوسط، العدد: 435، 29/5/2000م.