فهرس الكتاب
وسوف يُصوَّر انسحاب"إسرائيل"النهائي من جنوب لبنان باعتباره إثباتًا للخط الناشط لحزب الله، وقد يفيده ذلك في تزويده ببعض الرأسمال السياسي أثناء الفترة الأولية بعد التسوية في مسعاه للمحافظة على قاعدته الشعبية والبناء عليها. إن حزب الله حريص على حصر هجماته بالأراضي اللبنانية المحتلة، ويعرف بوضوح أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان سوف ينهي نشاطاته المسلحة ضد"إسرائيل"، وكما يعترف حزب الله، فإن النظام الأمني لما بعد التسوية ـ لكي يكون متفقًا عليه ومؤكدًا من قبل"إسرائيل"وسورية ولبنان على حد سواء ـ سوف يمنع بشكل شبه مؤكد خيارًا عسكريًا ذا مصداقية بأي حال من الأحوال مهما صرح مسؤولوه بعكس ذلك.
في أعقاب التسوية قد يتعين على حزب الله أيضًا أن ينظر بشكل أكثر واقعية إلى المنافسة السياسية الممكنة من قِبَل حركة أمل. بالرغم من أن الحزبين الشيعيين قد نجحا في إنشاء علاقة عمل مع بعضهما وتوزيع للأدوار فيما بينهما؛ فإن التهديد السياسي لأمل تجاه حزب الله يمكن أن يشتد إذا اختار هذا الأخير الخروج على النظام أو اختار المواجهة المباشرة معه، وهذا غير متوقع. ونظرًا لأهمية الرعاية السياسية في النظام السياسي فإن صلات أمل الطويلة الأمد مع سورية ومع المؤسسة السياسية اللبنانية وعلاقاتها الجيدة مع مجتمع رجال الأعمال الشيعي النشيط والمزدهر في الداخل والخارج يمكن أن تفيدها في أي حسم سياسي أو انتخابي مستقبلي مع حركة فقدت وظيفتها في أن تكون وسيلة للضغط العسكري على"إسرائيل".
إن نقلة من هذا النوع في سياسة حزب الله وموقفه لن تحدث بين عشية وضحاها؛ إذ إنها تعتمد كثيرًا على توازن الآراء ضمن الحركة والموقف النهائي الذي تتخذه إيران، إضافة إلى موقف حزب الله مع سورية.
تتمتع القيادة الرسمية لحزب الله، بما فيها الأمين العام الحالي حسن نصر الله بعلاقات جيدة مع كل من سورية وإيران، ومن المرجح أن تستجيب لمتطلبات الأولى وحساسياتها بقدر استجابتها لمتطلبات الأخيرة وحساسياتها . (1)
ومن خلال هذا المنطلق فقد صرح السفير السوري في واشنطن، وليد المعلم، أن حزب الله حركة مقاومة وطنية ولن تكون عقبة في طريق السلام إذا كان يلبي المصالح السورية واللبنانية، إن قيادة الحزب تدرك بأن أي اتفاق مقبول من سوريا ولبنان يكون ملزمًا لها على السواء . (2)
وفي أثناء المباحثات السورية الإسرائيلية قصفت إسرائيل مدرسة أطفال في جنوب لبنان، بلدة عرب صاليم، وأدى ذلك القصف إلى جرح 15 تلميذًا وتلميذة وقد اضطر حزب الله إلى لزوم الصمت العسكري وعدم الرد بالمثل لئلا يعكر جو المفاوضات !! (3)
بل لقد استبق حسن نصر الله الجميع باعترافه بأنهم أداة في يد المفاوضين في عملية السلام، فيقول:"إن المقاومة ورقة ضغط بيد المفاوض العربي، والغريب أن باراك يريد أن يفاوض ومعه طائرات حربية أمريكية جديدة، ومئات الملايين من الدولارات من أمريكا، وهذا مسموح به، بينما المطلوب أن تذهب الوفود العربية مجردة من عناصر قوتها، وعنصر المقاومة هو الأهم". (4)
وهذا ما أكده كذلك نائبه نعيم قاسم حين قال:"إن المقاومة تخدم الموقف السوري بشكل صريح؛ لأن سوريا تعتبر المتصدي الأساس من خلال قدرتها على إدارة الوضع في المنطقة، لذلك تعمل إسرائيل على انتزاع هذه الورقة من يد السوريين". (5)
وكما كان لحزب الله دور هام في ترسيخ الوجود الإيراني في لبنان، فقد كان له الدور نفسه في خدمة سوريا، وهذا ما دفع صحيفة"لوموند"الفرنسية إلى القول بأن دمشق استعادت دورها عاصمة للسياسة الشرق أوسطية وذلك من طريق لبنان ودور الحزب الخميني فيه . (6)
ولمعرفة سوريا بإمكانيات حزب الله التي تخدم سياساتها فقد كان الحزب الوحيد الذي لم تتم مصادرة أسلحته، على غرار ما تم لباقي الميليشيات اللبنانية، التي انضمت إلى الجيش اللبناني، وذلك تحت الإشراف السوري . (7)
وتحفظ سوريا لحزب الله أن التفجيرات التي قام بها للقوات الأمريكية والدولية والتي كانت سببًا في خروجها من لبنان، كانت كذلك سببًا في ذهاب الحماية الغربية المباشرة عن نظام أمين الجميل في لبنان، مما دعا الجميل إلى الذهاب إلى دمشق في 28 فبراير 1984م، لتقديم احترامه للأسد . (8)
(1) راجع: سوريا وإيران، 136 ـ 139.
(2) جريدة الأنباء، العدد: 8305 / 1/ 7/ 1999م، وانظر تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي حول تأثير سوريا على قرارات حزب الله في جريدة الحياة، العدد: 13290/ 15/4/1420هـ ـ 28/7/1999م.
(3) انظر: جريدة الحياة، العدد: 13433/10/1420هـ.
(4) جريدة الأنباء، 8331/14/2/1420هـ ـ 27/7/1999م، وانظر كلام فضل الله في حواره مع مجلة الوسط، العدد: 222، 11/12/1416هـ.
(5) انظر حواره مع مجلة المجلة، العدد: 1032/13/8/1420هـ ـ 27/11/1999م.
(6) لوموند، 21/2/1995م.
(7) بين أمل وحزب الله، إفراهام سيلع، صحيفة هآرتس /31/3/1999م.
(8) راجع باتريك سيل/ 677.