فهرس الكتاب
وهَذَا هُوَ الَّذِي عَنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ:"كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَهُوَ بَاطِلٌ …"الحَدِيْثُ . وكَقَوْلِهِ لِعُمَرَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْه، وعِنْدَه جَوَارِي يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ فأسْكَتْهُنَّ لِدُخُوْلِهِ، وقَالَ:"إنَّ هَذَا رَجُلٌ لا يُحِبُّ البَاطِلَ" (1) ، فإنَّ هَذَا اللَّهْوَ فِيْه لَذَّةٌ؛ ولَوْلا ذَلِكَ لَمَا طَلَبَتْه النُّفُوْسُ !
ولَكِنْ مَا أعَانَ عَلَى اللَّذَّةِ المَقْصُوْدَةِ مِنَ الجِهَادِ، والنِّكَاحِ فَهُو حَقٌّ، وأمَّا مَا لَمْ يُعِنْ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ، لا فَائِدَةَ فِيْه، ولَكِنَّه إنْ لَمْ يَكُنْ فِيْه مَضَرَّةٌ رَاجِحَةٌ لَمْ يَحْرُمْ، ولَمْ يُنْهَ عَنْه، ولَكِنْ قَدْ يَكُوْنُ مَا فِعْلُه مَكُرُوْهًا؛ لأنَّه يَصُدُّ عَنِ اللَّذَّةِ المَطْلُوْبَةِ؛ إذْ لَوْ اشْتَغَلَ اللاهِي حِيْنَ لَهْوِهِ بِمَا يِنْفَعُه، ويَطْلُبُ لَهُ اللّذَّةَ المَقْصُوْدَةَ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُ .."، ثُمَّ قَالَ أيْضًا:"ومَحَبَّةُ النُّفُوْسِ للبَاطِلِ نَقْصٌ، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الخَلْقِ مَأمُوْرِيْنَ بالكَمَالِ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيْهم، فإذَا فَعَلُوا مَا بِهِ يَدْخُلُوْنَ الجَنَّةَ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهم مَا لا يَمْنَعُهُم مِنَ دُخُوْلِها" (2) ."
وبَعْدَ أنْ ذَكَرْنَا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ فِي تَفْسِيْرِ مَعْنَى الحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ؛ نَسْتَطِيْعُ أنْ نَخْلُصَ مِنْها إلى أرْبَعَةِ أُمُوْرٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْنَى"باطِلٌ"فِي الحَدِيْثِ، مَا لا ثَوَابَ فِيْه، ولا إثْمَ .
(1) ـ أخرجه أحمد ( 3/435 ) ، ( 4/24 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ( 342 ) ، ولكنه ورد بسياق آخر في سماع"المدح"لا"الغناء"، انظر"مجمع الزوائد"للهيثمي ( 8/118) ، ( 9/66 ) .
(2) ـ"الاستقامة"لابن تيمية ( 2/153 ) .