قُلْتُ: ما ذَكَرَهُ ابنُ كثيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ هُنَا كَانَ مِنَ السَّعي، والمُصَارَعَةِ المُباحةِ ظَاهِرًا؛ ورُبَّمَا كَانَتْ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ شَأنِ الجِهَادِ المَحْمُودِ؛ إلاَّ أنَّ ابنَ كَثِيْرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ نَظَرَ إلى مَا اقْتَرَنَ بِهَذِه المُباحاتِ مِنَ المُحرَّمَاتِ، والسَّخَافَاتِ المَمْجُوْجَةِ: كالتَّعَصُّبِ الممْقُوتِ، والإلْهَاءِ المَذْمُوْمِ، وهُوَ مَا ذَكَرَهُ بقَوْلِه:"وكَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ حَلِيمًا كَرِيْمًا عَاقِلًا، وكَانَتْ إحْدَى يَدَيْه مَقْطُوعةً، وهُوَ أوَّلُ مَنْ أحْدَثَ السُّعاةَ بَيْنَ يَدَيْ المُلُوْكِ؛ ليَبْعَثَ بأخْبارِه إلى أخِيْهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ إلى شِيْرَازَ سَرِيْعًا، وحَظِيَ عِنْدَه أهْلُ هَذِه الصِّناعَةِ، وتعلَّمَ أهْلُ بَغْدَادَ ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُم يَجْرِي فِي اليَوْمِ الوَاحِدِ نَيِّفًا وأرْبَعِيْنَ فَرْسَخًا، وكَانَ فِي البَلَدِ سَاعِيانِ مَاهِرانِ، وهُمَا: ( فَضْلٌ، ومَرْعُوْشٌ ) ، يَتَعَصَّبُ لِهَذَا عَوَامُ أهْلِ السُّنَّةِ، ولِهَذَا عَوَامُ أهْلِ الشِّيعَةِ، وجَرَتْ لَهُمَا مَنَاصِفُ ومَوَاقِفُ" (1) .
فَإذَا عُلِمَ هَذَا؛ فَكَيْفَ بابْنِ كَثِيْرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ والْحَالَةُ هَذِه لَوْ رَأى ( كُرَةَ القَدَمِ ) ، ومَا عَلَيْه طُلابُها المُتَعَصِّبِوْنَ الَّذِيْنَ هُم ( غَالبًا ) طُغَامُ النَّاسِ وشُذَّاذُهم !، مَعَ مَا فِيْها مِنْ مُوْبِقَاتٍ، وحَمَاقَاتٍ مَا تَفُوقُ مَا ذَكَرَهُ دَرْكًا وهُوَّةً ؟!
تَنْبِيْهٌ
(1) ـ السابق (15/306) ، والمناصفُ: جَمْعُ مَنْصَفٍ، وهو: اخْتِلاسُ الحَقِّ بِحِيلةٍ !