فهرس الكتاب
أقُوْلُ: إنَّ إطْلاقَ حُكْمِ الإبَاحَةِ عَلى المَاسُونِيَّةِ تَمَحُّلٌ بَارِدٌ، وجَهْلٌ مَحْضٌ … لأنَّ الحُكْمَ عَلَى هَذِه الجَمْعِيَّةِ يكونُ بالنَّظَرِ إلى أصْلِ وَضْعِها، ومَقْصَدِها مَعًا، لا إلى أصْلِ الاجْتِمَاعِ !
وكَذَا مِثَالٌ آخَرُ: وهُوَ مَسْجِدُ ضِرَارٍ، الَّذِي بَنَاه المُنَافِقُونَ مُضَارَّةً بالمُؤْمِنِيْنَ ولِمَسْجِدِهم، وإرْصَادًا لِمْنَ حَارَبَ اللهَ ورَسُوْلَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:"والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون" [التوبة107] .
فإذَا كَانَ بِنَاءُ المَسَاجِدِ في الإسْلامِ سُنَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، وقُرْبَةٌ إلاهِيَّةٌ … إلاَّ أنَّ مَسْجِدَ ضِرَارٍ أصْبَحَ مُحَرَّمًا!، وما ذَاكَ إلاَّ أنُّه بُنِيَ عَلَى مَقْصَدٍ مُحَرَّمٍ، ويَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُبْقِهِ عَامِرًا لِصَلاةِ المُؤْمِنِيْنَ؛ بَلْ أمَرَ أصْحَابَه بِهَدْمِه وحَرْقِه، وصَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مِزْبَلَةً (1) .
لِذَا كَانَ حُكْمُ مَسْجِدِ ضِرَارٍ التَّحْرِيمَ، نَظَرًا لأصْلِ مَقْصَدِهِ وضَرَرِه !، أمَّا مَن بَنَى مَسْجِدًا للهِ تَعَالى يَرْجُو فِيْهِ الأجْرَ والمَثُوبَةَ أوَّلًا، ثمَّ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمْنِ تَغيَّرَتْ نِيَّةُ صَاحِبِه إلى النِّفَاقِ!، وعَلَيه اتَّخَذَهُ ضِرَارًا بالمُسْلِمِيْنَ، أو مَكَانًا للمُفْسِدِيْنَ، فَهُنَا يِخْتَلِفُ الحُكْمُ في أصْلِهِ لا فِي ثَمَرَتِه: وهُوَ أنَّ أصْلَه مَشْرُوعٌ؛ لأنَّ بِنَاءَ المَسَاجِدِ مَشْرُوعٌ مَسْنُونٌ، غَيْرَ أنَّه اقْتَرَنَ بِهِ مُحَرَّمٌ، فَكَانَ حُكْمُه حِيْنَئِذٍ الحُرْمَةُ .
(1) ـ انظر"تيسير الكريم الرحمن"للسعدي (2/285-286) .