فهرس الكتاب
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:"ويحذركم الله نفسه"أي: يُحَذِّرُكم نِقْمَتَه فِي مُخَالَفَتِه، وسَطْوَتِه، وعَذَابِه لِمَنْ والَى أعْدَاءه، وعَادَى أوْلِياءهُ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:"وإلى الله المصير"أي: إلَيْه المَرْجِعُ، والمُنْقَلَبُ لِيُجَازِيَ كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِه" (1) ."
وقَالَ ابنُ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي هَذِه الآيَةِ:"مَنِ اتَّخَذَ الكُفَّارَ أعْوَانًا، وأنْصَارًا، وظُهُورًا يِوَالِيْهِم عَلَى دِيْنِهم، ويُظَاهِرُهُم عَلَى المُسْلِمِيْنَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيءٍ، أي: قَدْ بَرِيءَ مِنَ اللهِ، وبَرِيءَ اللهُ مِنْه بارْتِدَادِه، ودُخُوْلِه فِي الكُفْرِ،"إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة"أي: إلاَّ أنْ تَكُوْنُوا فِي سُلْطَانِهم فَتَخَافُوْهُم عَلَى أنْفُسِكِم، فَتُظْهِرُوا لَهُم الوَلايَةَ بألْسِنَتِكم، وتُضْمِرُوا العَدَاوَةَ، ولا تُشَايِعُوْهُم عَلَى مَا هُمْ عَلَيه مِنَ الكُفْرِ، ولا تُعِيْنُوْهُم عَلَى مُسْلِمٍ بِفِعْلٍ" (2) .
ونَلْحَظُ أنَّ ابنَ جَرِيْرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ يُصَرِّحُ بأنَّ مَنْ يَقَعُ فِي هَذِه المُوَالاةِ فَقَدْ كَفَرَ باللهِ، وخَرَجَ مِنْ إسْلامِهِ . فالقَضِيَّةُ إذَنْ قَبْلَ أنْ تَكُوْنَ ( ولاءً، وبراءً ) ، فَهِي: ( إسْلامٌ، وكُفْرٌ ) ، فالأمْرُ جِدُّ خَطِيْرٌ، لا كَمَا يَظُنُّ بَعْضُهُم أنَّها قَضِيَّةٌ ثَانَوِيَّةٌ فَرْعِيَّةٌ !
إنَّ قَضِيَّةَ الوَلاءِ، والبَرَاءِ أصْلٌ مِنْ أصُوْلِ الدِّيْنِ، فَكَانَ لابُدَّ مِنْ وُضُوحِ هَذِه القَضِيَّةِ نَصْبَ أعْيُنِ عُشَّاقِ ( كُرَةِ القَدَمِ ) حَتَّى يَعْلَمُوا المُؤْمِنَ مِنَ الكَافِرِ، والمُوَالِيَ مِنَ المُعَادِي، ومَنِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الوَلاءَ، ومَنْ يَسْتَحِقُّ المُعَادَاةَ .
(1) ـ"تفسير ابن كثير" ( 1/337 ) .
(2) ـ انظر"تفسير الطبري" ( 3/228 ) .